ولما ذكر ما يحزن من السر لكونه اختصاصًا عن الجليس بالمقال فينشأ عنه ظن الكدر وتباعد القلوب، أتبعه الاختصاص بالمجلس الذي هو مباعدة الأجسام اللازم لها من الظن ما لزم من الاختصاص بالسر في الكلام فينشأ عنه الحزن، معلمًا لهم بكمال رحمته وتمام رأفته بمراعاة
[ ١٩ / ٣٧٤ ]
حسن الأدب بينهم وإن كان من أمور العادة دون أحكام العبادة، فقال مخاطبًا لأهل الدرجة الدنيا في الإيمان لأنهم المحتاجون لمثل هذا الأدب: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ حداهم بهذا الوصف على الامتثال ﴿إذا قيل لكم﴾ أي من أيّ قائل كان فإن الخير يرغب فيه لذاته: ﴿تفسحوا﴾ أي توسعوا أي كلفوا أنفسكم في إيساع المواضع ﴿وفي المجلس﴾ أي الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي فلا يجد مجلسًا يجلس فيه، والمراد بالمجلس جنس المكان الذي هم ماكثون به بجلوس أو قيام في صلاة أو غيرها لأنه أهل لأن يجلس فيه. وذلك في كل عصر، ومجلس النبي ﷺ أولى بذلك، وقراءة عاصم بالجمع موضحة لإرادة الجنس ﴿فافسحوا﴾ أي وسعوا فيه عن سعة صدر ﴿يفسح الله﴾ أي الذي له الأمر كله والعظمة الكاملة ﴿لكم﴾ في كل ما تكرهون ضيقه من الدارين.
ولما كانت التوسعة يكفي فيها التزحزح مع دوام الجلوس تارة وأخرى تدعو الحاجة فيها إلى القيام للتحول من مكان إلى آخر قال: ﴿وإذا قيل﴾ أيّ من قائل كان - كما مضى - إذا كان يريد الإصلاح
[ ١٩ / ٣٧٥ ]
والخير ﴿انشزوا﴾ أي ارتفعوا وانهضوا إلى الموضع الذي تؤمرون به أو يقتضيه الحال للتوسعة أو غيرها من الأوامر كالصلاة أو الجهاد وغيرهما ﴿فانشزوا﴾ أي فارتفعوا وانهضوا ﴿يرفع الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال، عبر بالجلالة وأعاد إظهارها موضع الضمير ترغيبًا في الامتثال لما للنفس من الشح بما يخالف المألوف ﴿الذين آمنوا﴾ وإن كانوا غير علماء ﴿منكم﴾ أيها المأمورون بالتفسح السامعون للأوامر، المبادرون إليها في الدنيا والآخرة بالنصر وحسن الذكر بالتمكن في وصف الإيمان الموجب لعلو الشأن بطاعتهم لرسوله ﷺ في سعة صدورهم بتوسعتهم لإخوانهم.
ولما كان المؤمن قد لا يكون من المشهورين بالعلم قال: ﴿والذين﴾ ولما كان العلم في نفسه كافيًا في الإعلاء من غير نظر إلى مؤت معين، بنى للمفعول قوله: ﴿أوتوا العلم﴾ أي وهم مؤمنون ﴿درجات﴾ درجة بامتثال الأمر وأخرى بالإيمان، ودرجة بفضل علمهم وسابقتهم - روى الطبراني وأبو نعيم في كتاب العلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من جاءه أجله وهو يطلب العلم ليحيي
[ ١٩ / ٣٧٦ ]
به الإسلام لم يفضله النبيون إلا بدرجة واحدة»، رواه الدارمي وابن السني في رياضة المتعلمين عن الحسن غير منسوب، قال شيخنا: فقيل: هو البصري فيكون مرسلًا، وعن الزبير: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكور الرجال.
وكلما كان الإنسان أعلم كان أذكر، ولعله ترك التقييد ب «من» في هذا وإن كانت مرادة ليفهم أن العلم يعلي صاحبه مطلقًا، فإن كان مؤمنًا عاملًا بعلمه كان النهاية، وإن كان عاصيًا كان أرفع من مؤمن عاص وعار عن العلم، وإن كان كافرًا كانت رفعته دنيوية بالنسبة إلى كافر لا يعلم، ودل على ذلك بختم الآية بقوله مرغبًا مرهبًا: ﴿والله﴾ أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا ﴿بما تعملون﴾ أي حال الأمر وغيره ﴿خبير *﴾ أي عالم بظاهره وباطنه، فإن كان العلم مزينًا بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه، وإن كان على غير ذلك فكذلك، وقدم الجار ومدخوله وإن كان علمه سبحانه بالأشياء كلها على حد سواء تنبيهًا على مزيد الاعتناء بالأعمال، لا سيما الباطنة من الإيمان والعلم اللذين هما الروح الأعظم، لأن المقام لنزول الإنسان عن مكانه بالتفسح والانخفاض والارتفاع، ولا يخفى
[ ١٩ / ٣٧٧ ]
ما في ذلك من حظ النفس الحامل على الجري مع الدسائس، فكان جديرًا بمزيد الترهيب، وسبب الآية أن أهل العلم لما كانوا أحق بصدر المجلس لأنهم أوعى لما يقول صاحب المجلس، كان النبي ﷺ يقول: «ليليني أولو الأحلام منكم والنهى»، وكان ﷺ يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبق غيرهم إلى المجلس فقاموا حيال النبي ﷺ فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد عليهم النبي ﷺ ثم سلموا على القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفعلوا فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان وأنت يا فلان، فأقام من المجلس بقدر القادمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبي ﷺ الكراهية في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم يعدل، فوالله ما عدل على هؤلاء، إن قومًا أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مكانهم، فأنزل الله هذه الآية، وكان النبي ﷺ يقول: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم» رواه مسلم عن ابن عمر ﵄، وقال الحسن: بلغني أن
[ ١٩ / ٣٧٨ ]
رسول الله ﷺ كان إذا قاتل المشركين فصف أصحابه ﵃ للقتال تشاحوا على الصف الأول فيقول الرجل لإخوانه: توسعوا لنلقى العدو فنصيب الشهادة، فلا يوسعون له رغبة منهم في الجهاد والشهادة، فأنزل الله هذه الآية، وهي دالة على أن الصالح إن كره مجاورة فاسق منع من مجاورته لأنه يؤذيه ويشغله عن كثير من مهماته، وقد قال النبي ﷺ:
«لا ضرر ولا ضرار» وقال: «أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول» وقال: «شر الناس من لا يآمن جاره بوائقه» فقال تعالى معظمًا لرسوله ﷺ وناهيًا عن إبرامه ﷺ بالسؤال والمناجاة، ونافعًا للفقراء والتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا، ولما نهى عما يحزن من المقال والمقام، وكان المنهي عنه من التناجي إنما هو لحفظ قلب الرسول ﷺ عما يكدره فهو منصرف إلى مناجاتهم غيره، وكان ذلك مفهمًا أن مناجاتهم له ﷺ لا حرج فيها، وكان كثير منهم يناجيه ولا قصد له إلا الترفع بمناجاته فأكثروا في ذلك حتى شق عليه ﷺ، وكان النافع للإنسان إنما هو كلام من يلائمه في الصفات ويشاكله في الأخلاق، وكان
[ ١٩ / ٣٧٩ ]
رسول الله ﷺ أبعد الناس من الدنيا تقذرًا لها لأجل بغض الله لها، أمر من أراد أن يناجيه بالتصدق ليكون ذلك أمارة على الاجتهاد في التخلق بأخلاقه الطاهرة من الصروف عن الدنيا والإقبال على الله، ومظهرًا له عما سلف من الإقبال عليها فإن الصدقة برهان على الصدق في الإيمان، وليخفف عنه ﷺ ما كانوا قد أكثروا عليه من المناجاة، فلا يناجيه إلا من قد خلص إيمانه فيصدق، فيكون ذلك مقدمة لانتفاعه بتلك المناجاة كما أن الهدية تكون مهيئة للقبول كما ورد «نعم الهدية أمام الحاجة» فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء ﴿إذا ناجيتم﴾ أي أردتم أن تناجوا ﴿الرسول﴾ ﷺ أي الذي لا أكمل منه في الرسلية فهو أكمل الخلق ووظيفته تقتضي أن يكون منه الكلام بما أرسله به الملك وتكون هيبته مانعة من ابتدائه بالكلام، فلا يكون من المبلغين إلا الفعل بالامتثال لا غير ﴿فقدموا﴾ أي بسبب هذه الإرادة العالية على سبيل الوجوب ومثل النجوى كشخص له يدان يحتاج ان يطهر نفسه ليتأهل للقرب من الرسول ﷺ فقال: ﴿بين يدي نجواكم﴾ أي
[ ١٩ / ٣٨٠ ]
قبل سركم الذي تريدون أن ترتفعوا به ﴿صدقة﴾ تكون لكم برهانًا قاطعًا على إخلاصكم كما ورد أن الصدقة برهان، فهي مصدقة لكم في دعوى الإيمان التي هي التصديق بالله تعالى ورسوله ﷺ وبكل ما جاء به عن الله تعالى، ومعظمه الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، ولذلك استأنف قوله: ﴿ذلك﴾ أي الخلق العالي جدًا من تقديم التصدق قبل المناجاة يا خير الخلق، ولعله أفرده بالخطاب لأنه لا يعلم كل ما فيه من الأسرار غيره.
وعاد إلى الأول فقالك ﴿خير لكم﴾ أي في دينكم من الإمساك عن الصدقة ﴿وأطهر﴾ لأن الصدقة طهرة ونماء وزيادة في كل خير، ولذلك سميت زكاة ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ والتعبير بأفعل لأنهم مطهرون قبله بالإيمان.
ولما أمر بذلك، وكانت عادته أن لا يكلف بما فوق الوسع للتخفيف على عباده لا سيما هذه الأمة قال: ﴿فإن لم تجدوا﴾ أي ما تقدمونه.
ولما كان المعنى الكافي في التخفيف: فليس عليكم شيء، دل عليه بأحسن منه فقال: ﴿فإن الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال، وأكده لاستبعاد مثله فإن المعهود من الملك إذا ألزم رعيته بشيء أنه لا يسقطه
[ ١٩ / ٣٨١ ]
أصلًا ورأسًا، ولا سيما إن كان يسيرًا، ودل على أنه سبحانه لن يكلف بما فوق الطاقة بقوله: ﴿غفور رحيم *﴾ أي له صفتا الستر للمساوئ والإكرام بإظهار المحاسن ثابتتان على الدوام فهو يغفر ويرحم تارة بعدم العقاب للعاصي وتارة للتوسعة للضيق بأن ينسخ ما يشق إلى ما يخف، وهذه الآية قيل: إنها نسخت قبل العمل بها، وقال علي ﵁: ما عمل بها أحد غيري، أردت المناجاة ولي دينار فصرفته بعشرة دراهم وناجيته عشر مرات أتصدق في كل مرة بدرهم، ثم ظهرت فشق ذلك على الناس، فنزلت الرخصة في ترك الصدقة، «وروى النسائي في الكبرى والترمذي وقال: حسن غريب وابن حبان وأبو يعلى والبزار عن علي ﵁ أنه قال: لما نزلت قال رسول الله ﷺ:» مرهم أن يتصدقوا «. قلت: بكم يا رسول الله؟ قال:» بدينار «، قلت: لا يطيقون. قال:» فنصف دينار «، قلت: لا يطيقون، قال:» فبكم؟ «قلت: بشعيرة: قال رسول الله ﷺ:» إنك لزهيد «، فأنزل الله تعالى ﴿أأشفقتم﴾ الآية. وكان علي ﵁ يقول: بي خفف الله عن هذه الأمة. وعدم عمل غيره لا يقدح فيه لاحتمال أن يكون لم يجد عند المناجاة شيئًا أو أن لا يكون احتاج إلى
[ ١٩ / ٣٨٢ ]
المناجاة.
[ ١٩ / ٣٨٣ ]