ولما أتم مثل النذارة بأن طاعة المطيع لا تنفع العاصي وإن كان أقرب الناس إلى المطيع إلا إن كان له أساس يصح البناء عليه، ويجوز الاعتداد به والنظر إليه، أتبعه مثل البشارة بأن عصيان العاصي لا يضر المطيع فقال: ﴿وضرب الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال ﴿مثلًا للذين آمنوا﴾ ولو كان في أدنى درجات الإيمان مبينًا لأن وصلة الكفار إذا كانت على وجه الإكراه والإجبار لا تضر ﴿امرأت فرعون﴾ واسمها آسية بنت مزاحم، آمنت وعملت صالحًا فلم تضرها الوصلة بالكافر بالزوجية التي هي من أعظم الوصل ولا نفعه إيمانها ﴿كل امرىء بما كسب رهين﴾ [الطور: ٢١] وأثابها ربها سبحانه أن جعلها زوجة خير خلقه محمد ﷺ في دار كرامته بصبرها على عبادة الله وهي في حبالة عدوه، وأسقط وصفه بالعبودية دليلًا على تحقيره وعدم رحمته لأنه أعدى أعدائه، وأشار إلى وجه الشبه في المثل
[ ٢٠ / ٢١٠ ]
وهو التحيز إلى حزب الله بقدر الوسع فقال: ﴿إذ﴾ أي مثلهم مثلها حين ﴿قالت﴾ تصديقًا بالعبث منادية نداء الخواص بإسقاط الأداة لأجل أنها مؤمنة وإن كانت تحت كافر بنا فلم تضر صحبته شيئًا لأجل إيمانها: ﴿رب﴾ أي أيها المحسن إليّ بالهداية وأنا في حبالة هذا الكافر الجبار ولم تغرني بعز الدنيا وسعتها ﴿ابن لي﴾ .
ولما كان الجار مطلوبًا - كما قالوا - قبل الدار، طلبت خير جار وقدمت الظرف اهتمامًا به لنصه على المجاورة ولدلالته على الزلفى فقالت: ﴿عندك بيتًا﴾ وعينت مرادها بالعندية فقالت: ﴿في الجنة﴾ لأنها دار المقربين فظهر من أول كلامها وآخره أن مطلوبها أخص داره، وقد أجابها سبحانه بأن جعلها زوجة لخاتم رسوله الذي هو خير خلقه وأقربهم منه، فكانت معه في منزله الذي هو أعلى المنازل.
ولما سألت ما حيّزها إلى جناب الله سألت ما يباعدها في الدارين من أعدائه فقالت: ﴿ونجني﴾ أي تنجية عظيمة ﴿من فرعون﴾ أي فلا أكون عنده ولا تسلطه عليّ بما يضرني عندك ﴿وعمله﴾ أي أن أعمل بشيء منه ﴿ونجني﴾ أعادت العامل تأكيدًا ﴿من القوم الظالمين *﴾ أي الناس الأقوياء العريقين في أن يضعوا أعمالهم في غير مواضعها التي أمروا بوضعها فيها فعل من يمشي في الظلام عامة، وهم القبط، لا تخالطني بأحد منهم، فاستجاب الله تعالى دعاءها وأحسن إليها لأجل محبتها
[ ٢٠ / ٢١١ ]
للمحبوب وهو موسى ﵊ كما يقال: صديق صديقي داخل في صداقتي، وذلك أن موسى ﵊ لما غلب السحرة آمنت به فعذبها فرعون فماتت بعد أن أراها الله بيتها في الجنة ولم يضرها كونها تحت فرعون شيئًا لأنها كانت معذورة في ذلك، فالآية من الاحتباك: حذف أولًا «فلم تسألا الجنة» لدلالة «رب ابن لي» ثانيًا عليه، وحذف ثانيًا «كانت تحت كافر» لدلالة الأول عليه.
ولما أتم المثل بمن أساءتا الأدب فلم تنفعهما الوصلة بالأولياء بل زادتهما ضررًا للإعراض عن الخير مع قربه وتيسره، وبمن أحسنت الأدب فلم تضرها الوصلة بأعدى الأعداء بل زادتها خيرًا لإحسانها مع قيام المغتر بها عن الإحسان ضرب مثلًا بقرينتها في قوله ﷺ كما رواه الشيخان عن أبي موسى ﵁: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» ومع مقارنتها لها في الكمال، فبين حاليهما في الثيوبة والبكورة طباق، فلم يبتلها سبحانه بخلطة زوج جمعًا بين ما تقدم من صنفي الثيبات والأبكار اللاتي يعطيهما لنبيه ﷺ فأحسنت الأدب في نفسها مع الله ومع سائر من لزمها الأدب معه من عباده فأحسن إليها رعاية لها
[ ٢٠ / ٢١٢ ]
على ما وفقها إليه من الإحسان، وذلك رعاية لأسلافها إذ كانوا من أعظم الأحباب فقال: ﴿ومريم﴾ أي وضرب الله مثلًا لأهل الانفراد والعزلة من الذين آمنوا مريم ﴿ابنة عمران﴾ أي أحد الأحباب، وذكر وجه الشبه فقال: ﴿التي أحصنت فرجها﴾ أي عفت عن السوء وجميع مقدماته عفة كانت كالحصن العظيم المانع من العدو فاستمرت على بكريتها إلى الممات فتزوجها في الجنة جزاء لها بخير عبادنا محمد ﷺ خاتم الأنبياء وإمام المرسلين.
ولما اغتنت بأنسها بروح الله الذي بثه في قلبها من محبة الذكر والعبادة عن الأنس بأرواح الناس، كان ذلك سببًا لأن وهبها روحًا منه جسده في أكمل الصور المقدرة في ذلك الحين فقال مخبرًا عن ذلك: ﴿فنفخنا﴾ أي بعظمتنا بواسطة ملكنا روح القدس.
ولما كانت هذه السورة لتشريف النبي ﷺ وتكميل نسائه في الدنيا والآخرة، نص على المقصود بتذكير الضمير ولم يؤنثه قطعًا للسان من يقول تعنتًا: إن المراد نفخ روحها في جسدها: ﴿فيه﴾ أي فرجها الحقيقي وهو جيبها وكل جيب يسمى فرجًا، ويدل على الأول قراءة «فيها» شاذة ﴿من روحنا﴾ أي روح هو أهل لشرفه بما عظمنا من خلقه ولطف تكوينه أن يضاف إلينا لكونه خارجًا
[ ٢٠ / ٢١٣ ]
عن التسبيب المعتاد وهو جبريل ﵊ أو روح الحياة.
ولما كان التقدير: فكان ما أردنا، فحملت من غير ذكر ولدت عيسى ﵊ الذي كان من كلمتنا وهي «احملي» ثم كلمتنا «كن يا حمل من غير ذكر» ثم كلمتنا «لديه يا مريم من غير مساعد» ثم كلمتنا «تكلم عيسى في المهد بالحكمة» عطف عليه قوله: ﴿وصدقت﴾ فاستحقت لذلك أن تسمى صديقة ﴿بكلمات ربها﴾ أي المحسن إليها بما تقدم وغيره مما كان من كلام جبريل ﵊ بسببه ومن عيسى ﵊ ومما تكلم به عن الله ﷾ ﴿وكتبه﴾ أي وكتابه الضابط الجامع لكلامه أنزل على ولدها وغيره من كتب الله كما دل على ذلك قراءة البصريين وحفص بالجمع.
ولما كان المصدق ربما كان تصديقه في الظاهر أو مشوبًا بشيء من الضمائر قال: ﴿وكانت﴾ أي جبلة وطبعًا، وشرفها بأن جعلها في رتبة الأكمل وهم الرجال فقال: ﴿من القانتين *﴾ أي المخلصين الذين هم في غاية القوة والكمال لأنها كانت من بنات الأحباب المصطفين على العالمين، فلم تكن عبادتها تقصر عن عبادة الأقوياء الكلمة، وقد أتم سبحانه الأمثال في الآداب بالثيبات والأبكار والأخيار والأشرار، فانعطف آخر السورة على أولها في المعاني بالآداب، وزاد
[ ٢٠ / ٢١٤ ]
ذلك حسنًا كونها في النساء وفي الذوات والأعيان بزواج النبي ﷺ لآسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران في الجنة دار القرار السالمة عن الأكدار الزواج الأبدي فصار أول السورة وآخرها في أزواجه ﷺ وفي ختامها بالقنوت الذي هو خلاصة الأوصاف الماضية في الأبدال المذكورات أعظم مناسبة - والله الهادي.
سورة الملك
وتسمى تبارك والمانعة والواقية والمنجية، قال الولي الملوي: هذه السورة كان النبي (ﷺ) يحبها لكثرة علومها، وقال: " وددت لو كانت في صدر كل مسلم ". مقصودها الخضوع لله لاتصافه بكمال الملك الدال عليه تمام القدرة الدال عليه قطعا أحكام المكونات الدال عليه تمام العلم الدال عليه أحكام المصنوعات علم ما في الصدور لينتج ذلك العلم بتحتم البعث لدينونة العباد على ما هم عليه من الصلاح والعناد كما هي عادة الملوك في دينونة رعاياهم لتكمل الحكمة وتتم النعمة وتظهر سورة الملك، واسمها الملك واضح في ذلك لأن الملك محل الخضوع من كل
[ ٢٠ / ٢١٥ ]
من يرى الملك وكذا تبارك لأن من كان كذلك كان له تمام الثبات والبقاء، وكان له من كل شيء كمال الخضوع ولالاتقاء، وكذا اسمها المانعة والواقية والمنجية لأن الخضوع حامل على لزوم طريق السعادة، ومن لزمها نجا مما يخاف ومنع من كل هول ووقي كل مخلوق، وترد السؤال عمن لازم عليها وهذا من أهم الأمور) بسم الله (الذي خضعت لكمال عظمته الملوك) الرحمن (الذي عم بنعمة الإيجاد وتبيان محل السلوك) الرحيم (الذي خص أولياءه الهعداية وزوال الشكوك.
[ ٢٠ / ٢١٦ ]