ولما كان معنى «تؤمنون»: فالأمر كما تقدم، لكنه حول عن ذلك لما ذكر، وكان أهم ما إلى الإنسان خوفه مما هدد عليه، أمن سبحانه من ذلك دالًا على أصل الفعل بجزم ما هو في موضع الجواب فقال: ﴿يغفر لكم﴾ أي خاصة دون من لم يفعل ذلك ﴿ذنوبكم﴾ أي بمحو أعيانها وآثارها كلها.
ولما قرع القلوب من كدر العقاب والعتاب، لذذها بطيب الثواب فقال: ﴿ويدخلكم﴾ أي بعد التزكية بالمغفرة رحمة لكم ﴿جنات تجري﴾ ودل على قرب الجاري وتخلله الأراضي بالجار فقال: ﴿من تحتها﴾ أي تحت أشجارها وغرفها وكل متنزه فيها ﴿الأنهار﴾ فهي لا تزال غضة زهراء، ولم يحتج هذا الأسلوب إلى ذكر الخلود لإغناء ما بعده عنه، دل على الكثرة المفرطة في الدور بقوله بصيغة منتهى الجموع: ﴿ومساكن﴾ ولما كانت المساكن لا تروق إلا بما يقارنها من المعاني الحسنة قال: ﴿طيبة﴾ أي في الاتساع واختلاف
[ ٢٠ / ٣٧ ]
أنواع الملاذ وعلو الأبنية والأسرة مع سهولة الوصول إليها وفي بهجة المناظر وتيسر مجاري الريح بانفساح الأبنية مع طيب الغرف، لم يفسد الماء الجاري تحتها شيئًا من ريحها ولا في اعتدالها في شيء مما يراد منها. ولما كانت لا يرغب فيها إلا بدوام الإقامة، بين صلاحيتها لذلك بقوله: ﴿في جنات عدن﴾ أي بساتين هي أهل للإقامة بها لا يحتاج في إصلاحها إلى شيء خارج يحتاج في تحصيله إلى الخروج عنها له، ولا آخر لتلك الإقامة، قال حمزة الكرماني في كتابه جوامع التفسير: هي قصبة الجنان ومدينة الجنة أقربها إلى العرش.
ولما كان هذا أمرًا شريفًا لا يوجد في غيرها قال: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم جدًا وحده ﴿الفوز العظيم *﴾ . ولما ذكر ما أنعم عليه به في الأخرى لأنه أهم لدوامها، كان التقدير بما دل عليه العطف: هذا لكم، عطف عليه ما جعل لهم في الدنيا فقال: ﴿وأخرى﴾ أي ولكم نعمة، أو يعطيكم، أو يزيدكم نعمة أخرى. ولما كان الإنسان أحب في العاجل وأفرح بالناجز قال: ﴿تحبونها﴾ أي محبة كثيرة متجددة
[ ٢٠ / ٣٨ ]
متزايدة، ففي ظاهر هذه البشرى تشويق إلى الجهاد وتحبيب، وفي باطنها حث على حب الشهادة بما يشير إليه من التوبيخ أيضًا على حل العاجل والتقريع: ﴿نصر من الله﴾ أي الذي أحاطت عظمته بكل شيء لكم وعلى قدر إحاطته تكون نصرته ﴿وفتح قريب﴾ أي تدخلون منه إلى كل ما كان متعسرًا عليكم من حصون أعدائكم وغيرها من أمورهم في حياة نبيكم ﷺ أعظمه فتح مكة الذي كتب حاطب ﵁ بسببه، وبعد مماته، وفيه شهادة لحاطب ﵁ بأنه يحب نصرة النبي ﷺ والفتح عليه مكة وغيرها لصحة إيمانه كما أخبر به النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.
ولما كان ما تقدم من المعاتبة إنذارًا لمن خالف فعله قوله من الذين آمنوا، وكان المقام قد أخذ حظه من الإنذار والتوبيخ، طوى ما تقديره: فأنذر من لم يكن راسخًا في الدين من المنافقين، ومن خالف فعله قوله من المؤمنين: عطف عليه دلالة عليه ليكون أوقع في النفس لمن يشير إليه طيه من الاستعطاف قوله: ﴿وبشر المؤمنين *﴾ أي الذين صار الإيمان لهم وصفًا راسخًا كحاطب بن أبي بلتعة ﵁ بأن الله يفتح لك البلاد شرقًا وغربًا، وأول ذلك مكة المشرفة ولا يحوجهم
[ ٢٠ / ٣٩ ]
إلى أن يدرؤوا عن عشائرهم وأموالهم ولا أن يكون شيء من أفعالهم يخالف شيئًا من أقوالهم. ولما هز سبحانه إلى الجهاد وشوق إليه بأنه متجر رابح، ولوح إلى النذارة بالتنشيط بالبشارة، فتهيأت النفوس إلى الإقبال عليه وانبعثت أي انبعاث، حض عليه بالإيجاب المقتضي للثواب أو العقاب، فقال مناديًا بأداة البعد والتعبير بما يدل على أدنى الأسنان تأنيبًا على أنه لا يعدم الوصف بالإيمان إلا مقرون بالحرمان تشويقًا وتحببًا: ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بذلك فأذعنوا بهذا الوعظ غاية الإذعان أني أمرت رسول الله ﷺ أن يقول لكم: ﴿كونوا﴾ أي بغاية جهدكم ﴿أنصار الله﴾ أي راسخين في وصف النصرة وفي الذروة العليا من ثبات الأقدام في تأييد الذي له الغنى المطلق لتكونوا - بما أشارت إليه قراءة الجماعة بالإضافة - بالاجتهاد في ذلك كأنكم جميع أنصاره، فإنكم أشرف من قوم عيسى ﵊، وما ندبكم سبحانه لنصرته إلا لتشريفكم بمصاحبة رسله الذين هم خلاصة خلقه عليهم الصلاة والسلام فقولوا سمعنا وأطعنا نحن أنصار الله وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتنوين ولام الجر على معنى: كونوا بعض أنصاره، ويشبه أن يكون المأمور به في هذه القراءة الثبات على
[ ٢٠ / ٤٠ ]
الإيمان ولو في أدنى الدرجات، وفي قراءة الجمهور الرسوخ فيه.
ولما كان التقدير على صفة هي من الثبات والسرعة على صفة الحواريين، عبر عن ذلك بقوله: ﴿كما﴾ أي كونوا لأجل أني أنا ندبتكم بقولي من غير واسطة ولذذتكم بخطابي مثل ما كان الحواريون أنصار الله حين ﴿قال عيسى ابن مريم﴾ حين أرسلته إلى بني إسرائيل ناسخًا لشريعة موسى ﵊ ﴿للحواريين﴾ أي خلص أصحابه وخاصته منهم: ﴿من أنصاري﴾ حال كونهم سائرين في منازل السلوك والمعاملات ومراحل المجاهدات والمنازلات ﴿إلى الله﴾ أي المحيط بكل شيء فنحن إليه راجعون كما كنا به مبدوئين.
ولما اشتد تشوف السامع إلى جوابهم، أبان ذلك بقوله: ﴿قال الحواريون﴾ معلمين أنه جادون في ذلك جدًا لا مزيد عليه عاملين فيما دعاهم إليه عمل الواصل لا السائر لعلمهم أنه إجابته إجابة الله لأنه لا ينطق عن الهوى فليس كلامه إلا عن الله: ﴿نحن﴾ أي بأجمعنا ﴿أنصار الله﴾ أي الملك الأعلى الذي هو غني عنا وقادر على تمام نصرنا، ولو كان عدونا كل أهل الأرض ننصره الآن بالفعل، لا نحتاج إلى تدريب يسير ولا نظر إلى غير، لاستحضارنا لجميع ما يقدر عليه الآدمي من صفات جلاله وجماله وكماله، ولذلك أظهروا ولم يضمروا.
ولما كان التقدير: ثم دعوا من خالفهم من بني إسرائيل وبارزوهم،
[ ٢٠ / ٤١ ]
سبب عنه قوله: ﴿فآمنت﴾ أي به ﴿طائفة﴾ أي ناس فيهم أهلية الاستدارة لما لهم من الكثرة ﴿من بني إسرائيل﴾ أي قومه ﴿وكفرت طائفة﴾ أي منهم، وأصل الطائفة: القطعة من الشيء ﴿فأيدنا﴾ أي قوينا بعد رفع عيسى ﵊ ﴿الذين آمنوا﴾ أي الذين أقروا بالإيمان المخلص منهم وغيره في القول والفعل وشددنا قلوبهم ﴿على عدوهم﴾ الذين عادوهم لأجل إيمانهم. ولما كان الظفر بالمحبوب أحب ما يكون إذا كان أول النهار، تسبب عن تأييده قوله: ﴿فأصبحوا﴾ أي صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل ﴿ظاهرين *﴾ أي عالين غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحدًا إلا الله ولا يستخفون منه، فالتأييد تارة يكون بالعلم وتارة بالفعل ﴿علمه شديد القوى﴾ [النجم: ٥] فصار علمه في غاية الإحكام وتبعته قوة هي في منتهى التمام، لأنه ناشىء عن علم مستفاد من قوة، وإلا لقال: علمه كثير العلم. ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ [النمل: ٤٠] قوة مستفادة من علم، والظاهر كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾ [آل عمران: ٥٥] وغيرها أن تأييد المؤمنين به كان بعد رفعه بيسير حين ظهر
[ ٢٠ / ٤٢ ]
الحواريون وانبثوا في البلاد يدعون إلى الله بما آتاهم من الآيات، فاتبعهم الناس، فلما تمادى الزمان ومات الحواريون ﵃ افترق الناس ودب إليهم الفساد، فغلب أهل الباطل وضعف أهل الحق حتى كانوا عند بعث النبي ﷺ عدمًا أو في حكم العدم، - كما دلت عليه قصة سلمان الفارسي ﵁، فقد رجع آخر السورة كما ترى بما وقع من التنزه عما يوهمه علو الكفرة من النقص بنصر أوليائه وقسر أعدائه، ومن الأمر مما أخبر أولها أنه يحبه من القتال في سبيله حثًا عليه وتشويقًا إليه - على أولها، واتصل بما بشر به من آمن ولو على أدنى وجوه الإيمان من العز موصلها بمفصلها، بما أزيل من الأسباب الحاملة له على المداراة، والأمور التي أوقعته في المماشاة مع الكفار والمجاراة، فأوجب ذلك رسوخ الإيمان، وحصول الإتقان، المقتضي للتنزيه بالفعل عن كل شوب نقصان، والله الموفق للصواب وعليه التكلان.
[ ٢٠ / ٤٣ ]
سورة الجمعة
مقصودها بيان مسمى الصف بدليل هو أوضح شرائع الدين وأوثق عرى الإسلام وهو الجمعة التي اسمها مبين للمراد منها من فرضية الاحتماع فيها وإيجاب الإقبال عليها وهو التجرد عن غيرها والانقطاع لما وقع من التفرق حال الخطبة عمن بعث للتزكية بالاجتماعه عليه في الجهاد وغيره في العسر واليسر والمنشط والمكره، واسمها الجمعة أنسب شيء فيها لهذا المقصد بتدبر آياته وتأمل أوائله وغاياته، الحاثة على قوة التواصل والاجتماع، والحاملة على دوام الإقبال على المزكي والحب له والاتباع) بسم الله (الذي أحاط علمه بكل معلوم فتم بيانه) الرحمن (الذي عمت نعمة بيانه بعد شمول كرامة إيجاده فهو العظيم شأنه) الرحيم (الذي خص حزبه بالتوفيق لما يرضاه فثبت فيي سويداء كل منهم حبه له وإيمانه به.
[ ٢٠ / ٤٤ ]