ولما كان كل من يتصف بهذه الدنايا التي من شأنها إبعاد الناس عنه ونفرتهم منه يسعى في سترها إن كان عاقلًا بلين وتواضع
[ ٢٠ / ٣٠١ ]
وخداع وسهولة انقياد، بين أن هذا على غير ذلك فقال منبهًا على هذا بالبعدية: ﴿عتل﴾ أي أكول شديد الخصومة جاف غليظ في خلقه وخلقه ثقيل مر، كأنه قطعة جبل قد انقطع عن سائره لا ينجر إلى خير إلا بعسر وصعوبة وعنف، من عتله - إذا قاده بغلظة، فهو في غاية ما يكون من يبس الطباع وعدم الطواعية في الخير والانطباع، قال الرازي: وسئل عنه رسول الله ﷺ - أي عن العتل - فقال: «هو الشديد الخلق الرحيب الجوف الأكول الشروب الظلوم» ونبه سبحانه على ثباته في تلك المخازي الموجب لاستغراق أوقاته وأحواله بها بنزع الخافض فقال: ﴿بعد ذلك﴾ الخلق الجدير بتكلف الإبعاد عنه الذي تجمع من هذه الأوصاف التي بلغت نهاية القباحة حتى صارت كأنها خلق واحد ثابت راسخ لا حيلة له في مداواته، وعلى ذلك نبه قوله: ﴿زنيم *﴾ أي صارت له علامة سوء وشر وثناء قبيح ولأمة بينة ومعرفة يعرف بها كما تعرف الشاة بزنمتها. وهي الجلدة التي تكون تحت حلقها مدلاة تنوس، والعبد بمعايبه وسفساف أخلاقه، وقيل: هو الذي يتشبه بقوم وليس منهم في شيء، ولا يخلو التعبير به من إشارة إلى أنه دعي ليس ثابت النسب
[ ٢٠ / ٣٠٢ ]
إلى من ينتسب إليه، ليكون منقطعًا عن كل خير وإن كان ينسب إلى آباء كرام، أخذًا من زنمة البعير، وهي جلدة تقطع من أذنه فتترك معلقة، ولا يفعل ذلك إلا بكرام الإبل، وهذه الأفعال كلها تنافي الشجاعة المقتضية لإحسان صاحبها إلى كل أحد وأن لا يحسب له حسابًا ولا يوصل إليه أذى إلا بعد ظهور شره فيعامله حينئذ بحسب العدل بما لا يرزىء بالمروءة والمشار إليه بهذا مع إرادة العموم قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: الأخنس بن شريق، وقيل: الأسود بن عبد يغوث، وقال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله تعالى وصف أحدًا ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة.
ولما كان حطام هذه الدنيا كله عرضًا فانيًا وظلًا متقلصًا زائلًا، لا يفتخر به بل ولا يلتفت إليه إلا من كان بهذه الأوصاف، فإذا كان أكبر همه ومبلغ علمه أثمر له الترفع على الحقوق والتكبر على العباد قال: ﴿أن﴾ أي لأجل أن ﴿كان﴾ هذا الموصوف ﴿ذا مال﴾ أي مذكور بالكثرة ﴿وبنين *﴾ أنعمنا عليه بهما فصار يطاع لأجلهما،
[ ٢٠ / ٣٠٣ ]
فكان بحيث يجب عليه شكرنا بسببهما ﴿إذا تتلى﴾ أي تذكر على سبيل المتابعة ﴿عليه﴾ ولو كان ذلك على سبيل الخصوص له ﴿آياتنا﴾ أي العلامات الدالة دلالة في غاية الظهور على الملك الأعلى وعلى ما له من صفات العظمة ﴿قال﴾ أي فاجأ هذا القول من غير تأمل ولا توقف عوضًا عن الشكر، ف «إن» مع جاره متعلق بما دل عليه الكلام نحو كذب لأجل كونه متمكنًا، ولا يتعلق بقال لأنه جزاء الشرط، ويجوز أن يتعلق بلا تطع أي لا توجد طاعته لأجل إن كان كذا، وقرىء بالكسر على أنها شرطية، فيكون النهي عن طاعته لعلة الغنى مفهمًا للنهي عن طاعته عند الوصف بغيره من باب الأولى كالتعليل بإملاق في الوأد: ﴿أساطير﴾ جمع سطور جمع سطر ﴿الأولين *﴾ أي أشياء سطروها ودونوها، وفرغوا منها فحمله دنيء طبعه على تكبره بالمال فورطه في التكذيب بأعظم ما يمكن سماعه فجعل الكفر موضع الشكر ولم يستح من كونه يعرف كذبه كل من يسمعه، فأعرض عن الشكر ووضع موضعه الكفر، فكان هذا دليلًا على جميع تلك الصفات السابقة مع التعليل بالإسناد إلى ما هو عند العاقل أوهم وأوهى من بيت
[ ٢٠ / ٣٠٤ ]
العنكبوت، والاستناد إليه وحده كاف في الاتصاف بالرسوخ في الدناءة، ولا يعمل في «أن قال» بل ما دل عليه لأن ما في حيز الشرط لا يعمل فيما قبله.
ولما كان هذا المكذور قد أغرق في الشر فتوقع السامع جزاءه، قال معلمًا أنه يجعل له من الخزي والفضائح ما يصير به شهرة بين الخلائق في الدنيا والآخرة: ﴿سنسمه﴾ أي نجعل ما يلحق به من العار في الدارين كالوسم الذي لا ينمحي أثره، تقول العرب: وسمه ميسم سوء.
ولما كان الوسم منكئًا، وكان جعله في موضع لا يستر أنكأ، وكان الوجه أشرف ما في الإنسان، وكان أظهر ما فيه وأكرمه الأنف، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة قال: ﴿على الخرطوم *﴾ أي الأنف الطويل جميعه وما قاربه من الحنكين وسمًا مستعليًا عليه بوضوح جدًا ليكون هتكة بين الناس وفضيحة لقومه وذلًا وعارًا، وكذا كان لعمري له بهذا الذكر الشنيع والذنب القبيح من الكفر وما معه، وسيكون له يوم الجمع الأعظم ما هو أشنع من هذا على أنه قد حقق في الدنيا هذا الخطم حسًا بأنه ضرب يوم بدر ضربة
[ ٢٠ / ٣٠٥ ]
خطمت أنفه - قاله ابن عباس ﵄، والتعبير عن الأنف بهذا للاستهانة والاستخفاف.
ولما ذكر في أول الملك أنه خلق الموت والحياة للابتلاء في الأعمال، وختم هنا بعيب من يغتر بالمال والبنين وهو يعلم أن الموت وراءه، أعاد ذكر الابتلاء وأكده لأن أعمالهم مع العلم بأنه عرض زائل أعمال من ظن الملك الثابت والتصرف التام، فقال: ﴿إن بلوناهم﴾ أي عاملنا - على ما لنا من العظمة - الذين نسمهم على الخراطيم من قريش وسائر عبادنا بما وسعنا عليهم به معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن، فغرهم ذلك وظنوا أنهم أحباب، ومن قترنا عليه من أوليائنا أعداء، فاستهانوا بهم، ونسبوهم لأجل تقللهم في الدنيا إلى السفه والجنون والضلال والفتون، فيوشك أن نأخذهم بغتة كما فعلنا بأصحاب الجنة، فكل من رأى رسول الله ﷺ فقد ابتلى به، فإن آمن كان ممن أحسن عملًا، وإلا كان ممن أساء.
[ ٢٠ / ٣٠٦ ]
ولما لم تعرف عامة أهل مكة نعمة الله عليهم به ﷺ، أخرجه الله عنهم وأكرمه بأنصار جعله أكرم الكرامات لهم، وكل من سمع به ولم يؤمن فهو كذلك، تكون أعماله كهذه الجنة يظنها شيئًا فتخونه أحوج ما يكون إليها، أو كان ابتلاؤنا لهم بالقحط الذي دعا عليهم به رسول الله ﷺ حتى أكلوا الجيف فما تابوا كما تاب ﴿كما بلونا﴾ أي اختبرنا بأن عاملنا معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن، وحاصله أنه استخرج ما في البواطن ليعلمه العباد في عالم الشهادة كما يعلمه الخالق في عالم الغيب، أو أنه كناية عن الجزاء ﴿أصحاب الجنة﴾ عرفها لأنها كانت شهيرة عندهم وهي بستان عظيم كان دون صنعاء بفرسخين، يقال له الضروان، يطؤه أهل الطريق، كان صاحبه ينادي الفقراء وقت الصرام، ويترك لهم ما أخطأ المنجل أو ألقته الريح أو بعد عن البساط الذي يبسط تحت النخلة، فلما مات شح بنوه بذلك فحلفوا على أن يجذوها قبل الشمس حتى لا يأتي الفقراء إلا بعد فراغهم، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿إذ﴾ أي حين ﴿أقسموا﴾ ودل على تأكيد القسم فقال: ﴿ليصرمنها﴾ عبر به عن الجذاذ بدلالته على القطع البائن المعزوم عليه المستأصل المانع للفقراء
[ ٢٠ / ٣٠٧ ]
ليكون قطعًا من كل وجه، من الصريم - لعود يعرض على فم الجدي لئلا يرضع، ومن الصرماء: المفازة لا ماء بها، والناقة القليلة اللبن ﴿مصبحين *﴾ أي داخلين في أول وقت الصباح ﴿ولا﴾ أي والحال أنهم لا ﴿يستثنون *﴾ أي لا يطلبون ولا يوجدون ثنيًا - أي عودًا - إلى ما قبل اليمين بقولهم «إن شاء الله» أو غير ذلك من الألفاظ الموجبة لأن يكون شيء من جنتهم مطلقًا غير ممنوع، وسمي ذلك استثناء لأنه إخراج لشيء يكون حكمه غير المذكور أولًا، وكان الأصل فيه: إلا أن يشاء الله، وألحق به إن شاء الله لرجوعه إليه في اتحاد الحكم ﴿فطاف﴾ أي فتسبب عن عملهم هذا الطامح أن طاف ﴿عليها﴾ أي جنتهم ﴿طائف﴾ أي عذاب مهلك محيط مع أنه أمر يسير جدًا عند الله وإن كان عظيمًا بالنسبة إليها لأنه لم يدع منها شيئًا، ولا يكون الطائف بهذا المعنى إلا بالليل، كذا قيل، ويرده
﴿إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا﴾ [الأعراف: ٢٠١] .
ولما كان هذا مقتًا في الصورة أخبر بأنه لطف وتربية في المعنى بقوله: ﴿من ربك﴾ أي المعروف بالعظمة التي لا تحد وبالإحسان إليك فهو جدير بأن يؤدب قومك ليقبلوا منك كما أدب أصحاب الجنة بما أوجب توبتهم وهو الحقيق بتربية العباد يعقلوا عنك ويكونوا
[ ٢٠ / ٣٠٨ ]
خليقين بالتجنب للدنيا والإقبال على المعالي ﴿وهم﴾ أي والحال أن أصحاب الجنة المقسمين ﴿نائمون *﴾ وقت إرسال الطائف ﴿فأصبحت﴾ أي فتسبب عن هذا الطائف الذي أرسله القادر الذي لا يغفل ولا ينام على مآل من لا يزال أسير العجز والنوم فعلًا أو قوة أن صارت جنتهم وقت اجتنائهم لها بالغد وسرورهم بها ﴿كالصريم *﴾ أي كالأشجار التي صرم عنها ثمرها أو كالشيء الذي انقطع ما بينه وبين قاصده فلا وصول إليه بوجه، وقيل: كالليل المظلم الأسود، وقيل: كالرماد الأسود، ليس بها ثمرة، لأن ذلك الطائف أتلفها لم يدع فيها شيئًا، لأنهم طلبوا الكل فلم يزكوه بما يمنع عنه الطوارق بضد ما كان لأبيهم من ثمرة عمله الصالح من الدفع عن ماله والبركة في جميع أحواله.
[ ٢٠ / ٣٠٩ ]