ولما كانت هذه الآية في الفدية، قدم الأبعد عن ذلك فالأبعد من جهة النفع والمعرة. ولما كانت آية عبس في الفرار والنفرة، قدم الألصق فالألصق، والأعلق في الأنس فالأعلق.
ولما خص هنا عم فقال: ﴿ومن في الأرض﴾ أي من الثقلين وغيرهم سواء كان فيهم صديق لا صبر عنه ولا بد في كل حال منه أو لا. ولما كان ربما خص ذلك بغيره، قال محققًا لإرادة الحقيقة في معنى «من»: ﴿جميعًا﴾ .
ولما كان الإنسان تكشف له الأمور هناك أي كشف، وتظهر له أتم ظهور، قال تعالى ﴿فبصرك اليوم حديد﴾ فيعلم أنه لا ينجيه من الخطايا المحيطة المحبطة شيء، دل على الاستبعاد بأداة البعد فقال عاطفًا على «يفتدي»: ﴿ثم ينجيه *﴾ أي ثم يود لو يكون له بذلك نجاة تتجدد له في وقت من الأوقات.
ولما كان هذا مما قد يطمع في النجاة، فإن بعض الناس يطبع على قلبه فيستغويه الأطماع حتى يعد المحال ممكنًا، قال معبرًا بمجمع الروادع والزواجر الصوادع: ﴿كلا﴾ أي ليكن للمجرم ردع
[ ٢٠ / ٣٩٧ ]
أيّ ردع عن وداده هذا وترتب أثره عليه، فإن ذلك لا يكون أبدًا بوجه من الوجوه.
ولما كان الإضمار قبل الذكر لتعظيم ذلك المضمر في المهيع الذي هو فيه، لأن ذلك إشارة إلى أنه مستحضر في الذهن لا يغيب أصلًا لما للمقام عليه من عظيم الدلالة، قال بعد هذا الردع العظيم عن النجاة بل عن ودادة تمنيها: ﴿إنها﴾ أي النار التي هي سوط الملك المعد لمن عصاه، المهدد في هذا السياق بعذابها، المستولية عليه لتكونه سجنه: ﴿لظى *﴾ أي ذات اللهب الخالص المتناهي في الحر يتلظى أي يتوقد فيأكل بسببه بعضها بعضًا إن لم تجد ما تأكله وتأكل ما وجدته كائنًا ما كان ﴿نزاعة للشوى *﴾ أي هي شديدة النزع لجلود الرؤوس بليغته فما الظن بغيره من الجلد، وقال في القاموس: الشوى: اليدان والرجلان والأطراف وقحف الرأس وما كان غير مقتل - انتهى، وقيل: والجلد كله واللحم تنزع ذلك ثم يعود كما كان في الحال ليروا التعب الذي
[ ٢٠ / ٣٩٨ ]
كانوا ينكرونه في أنفسهم في كل لحظة.
ولما كان الخلاص غير ممكن من الداعي القادر على الإحضار كنى عن إحضارها إياهم وجذبها لهم بقوله: ﴿تدعوا﴾ ويجوز أن يكون ذلك حقيقة فتقول في الدعاء في نفسها: إليّ يا مشرك إليّ يا منافق، ونحو ذلك ثم تلتقطهم التقاط الطير للحب ﴿من﴾ أي كل شخص ﴿أدبر﴾ أي من الجن والإنس أي من وقع منه إدبارهما من حقه الإقبال عليه سواء كان ذلك الإدبار عنها أو عن الأعمال التي من شأنها التنجية منها، ولما كان الإدبار قد يكون عن طبع غالب فيكون صاحبه في عداد من يعذر، بين أن الأمر ليس كذلك فقال: ﴿وتولى *﴾ أي كلف فطرته الأول المستقيمة الإعراض عن أسباب النجاة.
ولما كانت الدنيا والآخرة ضرتين، فكان الإقبال على إحداهما دالًا على الإعراض عن الأخرى، قال دالًا على إدباره بقلبه: ﴿وجمع﴾ أي كل ما كان منسوبًا إلى الدنيا.
ولما كانت العادة جارية بأن من كانت الدنيا أكبر همه كان همه بجمعه الاكتناز لا الإنفاق، سبب عن جمعه قوله: ﴿فأوعى *﴾ أي جعل ما جمعه في وعاء وكنزه حرصًا وطول أمل ولم يعط حق الله فيه، فكان همه الإيعاء لا إعطاء ما وجب من الحق إقبالًا على الدنيا
[ ٢٠ / ٣٩٩ ]
وإعراضًا عن الآخرة.
ولما كان من أعجب العجب أن يقبل على الدنيا أحد يسمع هذا التهديد بالعرض بين يدي الله والعقاب لمن لم يقبل على عبادته سبحانه، بين أن ذلك لما جبله عليه سبحانه وأن الإنسان مقهور مع جبلته إلا من حفظه الله، وذلك دال من كلا الطرفين على عظيم قدرته سبحانه، قال مؤكدًا لاقتضاء المقام للتأكيد لأن الإنسان لو خوف بالعرض على بعض الأمراء ما لابس ما يغضبه فكيف بالعزيز الحكيم القدير العليم: ﴿إن الإنسان﴾ أي هذا الجنس، عبر به لما له من الأنس بنفسه والرؤية لمحاسنها والنسيان لربه ولذنبه.
ولما دعا الحال إلى بيان الجبلة الداعية إلى ما يقتضيه باختيار صاحبها على وجه كأنه إلجاء بيانًا لسهولة الأمور عليه سبحانه بنى للمفعول قوله: ﴿خلق هلوعًا *﴾ أي جبل جبلة هو فيها بليغ الهلع وهو أفحش الجزع مع شدة الحرص وقلة الصبر والشح على المال والرغبة فيما لا ينبغي، وعن ابن عباس ﵄ أنه الحريص على ما لا يحل له، وروي عنه أن تفسيره ما بعده.
ولما كان الهلع شدة الحرص وقلة الصبر، نشر معناه فقال مقدمًا
[ ٢٠ / ٤٠٠ ]
المعمول الذي هو الظرف على العامل بيانًا لإسراعه في ذلك: ﴿إذا مسه﴾ أي أدنى مس ﴿الشر﴾ أي هذا الجنس وهو ما تطاير شرره من الضر ﴿جزوعًا *﴾ أي عظيم الجزع، وهو ضد الصبر بحيث يكاد صاحبه ينقد نصفين ويتفتت ﴿وإذا مسه﴾ أي كذلك ﴿الخير﴾ أي هذا الجنس وهو ما يلائمة فيعينه من السعة في المال وغيره من أنواع الرزق ﴿منوعًا *﴾ أي مبالغًا في الإمساك عما يلزمه من الحقوق للانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليه وقوفًا مع المحسوس لغلبة الجمود والبلادة، وهذا الوصف ضد الإيمان، لأنه نصفان: صبر وشكر.
[ ٢٠ / ٤٠١ ]