ولما دلت هذه الجملة على سوء أعمالهم ومداومتهم عليها، أكد ذلك بقوله: ﴿اتخذوا﴾ أي كلفوا فطرهم الأولى المستقيمة لما لهم من العراقة في اعوجاج الطبع والمحبة للأذى ﴿أيمانهم﴾ الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ﴿جنة﴾ أي وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من النفاق كائنًا ما كان، أو يوجب قتلهم بما يقع منهم من الكفران.
ولما كان علمهم بأنه يرضى منهم بالظاهر ويصدق أيمانهم هو الذي جرأهم على العظائم، فكانوا يرغبون الناس في النفاق بعاجل الشهوات
[ ١٩ / ٣٨٨ ]
ويثبطونهم عن الدين بما فيه من عاجل الكلف وآجل الثواب، سبب عن قبول إيمانهم قوله مظهرًا بزيادة التوبيخ لهم: ﴿فصدوا﴾ أي كان قبول ذلك منهم وتأخير عقابهم سببًا لإيقاعهم الصد ﴿عن سبيل الله﴾ أي شرع الملك الأعلى الذي هو الطريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز الأعظم، فإنهم كانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهون أمره ويحقرونه، ومن رآهم قد خلصوا من المكاره بأيمانهم الحانثة وردت عليهم الأرزاق استدراجًا وحصلت لهم الرفعة عند الناس بما يرضونهم من أقوالهم المؤكدة بالأيمان غره ذلك فاتبع سنتهم في أقوالهم وأفعالهم، ونسج على منوالهم، غرورًا بظاهر أمرهم، معرضًا عما توعدهم الله سبحانه عليه من جزاء خداعهم ومكرهم، وأجرى الأمر على أسلوب التهكم باللام التي تكون في المحبوب فقال: ﴿فلهم﴾ أي فتسبب عن صدهم أنهم كان لهم ﴿عذاب مهين *﴾ جزاء بما طلبوا بذلك الصد إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام.
ولما كان لهم أموال وأولاد يتعززون بها، قال مستأنفًا دالًاّ على أن من استتر بجنة دون طاعته لتسلم دنياه وراءه تكشف لسهام
[ ١٩ / ٣٨٩ ]
التقدير من حيث لا يشعر، ثم لا دينه يبقى ولا دنياه تسلم: ﴿لن تغني﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿عنهم﴾ أي في الدنيا ولا في الآخرة بالافتداء ولا بغيره ﴿أموالهم﴾ وأكد النفي بإعادة النافي للتنصيص على كل منهما فقال: ﴿ولا أولادهم﴾ أي بالنصرة والمدافعة ﴿من الله﴾ إي إغناء مبتدئًا من الملك الأعلى الذي لا كفوء له ﴿شيئًا﴾ أي من إغناء ولو قل جدًّا، فمهما أراد بهم سبحانه كان ونفد ومضى، لا يدفعه شيء تكذيبًا لمن قال منهم: لئن كان يوم القيامة لتكونن أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننصرن بأنفسنا وأموالنا وأولادنا. ولما انتفى الإغناء المبتدئ من الله فانتفى بانتفائه كل إغنائه سواه، أنتج ذلك قوله: ﴿أولئك﴾ أي البعداء من كل خير ﴿أصحاب النار﴾ ولما أفهمت الصحبة الملازمة، أكدها بقوله: ﴿هم﴾ أي خاصة لاضمحلال عذاب غيرهم - لكونهم في الهاوية - في جنب عذابهم ﴿فيها﴾ أي خاصة دون شيء يقصر عنها ﴿خالدون *﴾ أي مقيمون باقون دائمون لازمون إلى غير نهاية.
ولما كان إفسادهم لذات البين سرًا، وحلفهم على نفي ذلك جهرًا مع الإلزام بقبول ما ظهر من ذلك منهم مع علمه ﷾ بأنه كذب غائظًا موجعًا، وكان ربما توهم متوهم أنه تعالى كما ألزم بقبولنا لما ظهر منهم في دار العمل يأمر بقبولهم في دار الجزاء، قال نافيًا لذلك
[ ١٩ / ٣٩٠ ]
معزيًا للمؤمنين بأنهم يفعلون ذلك معه سبحانه بعد كشف الغطاء وتحقيق الأمور، لأن الإنسان يبعث على ما مات عليه، لأن ذلك جبلته التي لا ينفك عنها، ولا ينفعهم ذلك، ذاكرًا ظرف الخلود وإظهار التعذيب: ﴿يوم يبعثهم الله﴾ أي الملك الذي له جميع صفات الكمال بإحيائهم عما كانوا فيه من الموت وردهم إلى ما كانوا قبله ﴿جميعًا﴾ لا يترك أحدًا منهم ولا من غيرهم إلا أعاده إلى ما كان عليه قبل موته ﴿فيحلفون﴾ أي فيتسبب عن ظهور القدرة التامة لهم ومعاينة ما كانوا يكبون به من البعث والنار أنهم يحلفون ﴿له﴾ أي الله في الآخرة أنهم مسلمون فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، ونحوه من الأكذوبات التي تزيدهم ضررًا، ولا تغني عنهم شيئًا بوجه من الوجوه، جريًا على ما طبعوا عليه من إيثار الهوى والقصور على النظر في المحسوسات التي ألفوها ﴿كما يحلفون﴾ في الدنيا ﴿لكم﴾ لكونكم لا تعلمون الغيب مع توقعهم أن الله يفضحهم كما فعل لهم ذلك مرارًا، وحلفهم ناشئ عن اعتقاد بعدهم من القبول فإنه لا يحلف لك إلا من يظن أنك تكذبه: قال القشيري: عقوبتهم الكبرى ظنهم الأجنبية، وغاية الجهد كبهم على مناخرهم في وهدة ندمهم.
[ ١٩ / ٣٩١ ]
ولما كان الذي يحملهم على الإقدام على ذلك ضعف عقولهم وتوغلهم في النفاق ومرودهم عليه حتى بعثوا على مثل ذلك مع علمهم بأن ذلك لا ينجيهم لإحاطة علمه سبحانه، عبر بالحسبان، فقال دالًاّ على أنهم في الغاية من الجهل وقلة العقل: ﴿ويحسبون﴾ أي في القيامة بأيمانهم الكاذبة ﴿أنهم على شيء﴾ أي يحصل لهم به نفع لتخيلهم أن أيمانهم تروج على الله فتنجيهم كما كانت في الدنيا تنجيهم.
ولما أفهم ذلك أن أمورهم لا حقائق لها لا في إخباراتهم ولا في أيمانهم ولا في حسبانهم، قال مناديًا عليهم مؤكدًا لتكذيب حسبانهم: ﴿ألا إنهم﴾ أي خاصة ﴿هم الكاذبون *﴾ أي المحكوم بكذبهم في حسبانهم وفي أخبارهم في الدارين لعراقتهم في وصف الكذب حيث لا يستحيون من الكذب عند الله.
ولما كان هذا الانهماك فيما لا يغني مما يحصل لسامعه غاية العجب من وقوع عاقل فيه مرة من الدهر، فضلًا عن ملازمته، أخبر عن الحامل لهم عليه، فقال مستأنفًا: ﴿استحوذ﴾ أي طلب أن يغلب ويسوق ويسرع ويضرب الحوطة ويحث ويقهر ويستولي ﴿عليهم الشيطان﴾ مع أنه طريد ومحترق، ووجد منه جميع ذلك، ووصل منهم إلى ما يريده، وملكهم ملكًا لم يبق لهم معه اختيار فصاروا
[ ١٩ / ٣٩٢ ]
رعيته وأقطاعه، وصار هو محيطًا بهم من كل جهة، غالبًا عليهم ظاهرًا وباطنًا، من قولهم: حذت الإبل أي استوليت عليها، وحاذ الحمار العانة - إذا جمعها وساقها غالبًا لها، والحوذ: السوق السريع، ومنه الأحوذي: الخفيف في المشي لحدقه، وجاء على الأصل على حكم الصحيح لأنه لم يبن على حاذ كافتقر فإنه لا مجرد له، لم يقولوا: فقر: ﴿فأنساهم﴾ أي فتسبب عن استحواذه عليهم أنه أنساهم ﴿ذكر الله﴾ أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بعد أن كان ذكره مركوزًا في فطرهم الأولى، فصاروا لا يذكرونه أصلًا بقلب، ولا لسان.
ولما كان ذلك، أنتج ولا بد قوله: ﴿أولئك﴾ أي الذين أحلوا أنفسهم أبعد منزل ﴿حزب الشيطان﴾ أي أتباعه وجنده وجماعته وطائفته وأصحابه والمحدقون به والمتحيزون إليه لدفع ما حزبه أي نابه واشتد عليه، المبعدون المحترقون لأنهم تبعوه ولم يخافوا في مجازيته وإنفاذ ما يريد لومة لائم مع أنه كله نقائص ومعايب، وهم مطبوعون على بغضه، وتركوا من له الكمال كله، وكر وحبه مركوز في فطرهم، فلذلك كانت ترجمة هذا ونتيجته قوله:
[ ١٩ / ٣٩٣ ]
﴿ألا﴾ وأكد لظنهم الريح بما لهم في الدنيا من الكثرة وظهرو التعاضد والاستدراج بالبسط والسعة فقال: ﴿إن حزب الشيطان﴾ أي الطريد المحترق ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الخاسرون *﴾ أي العريقون في هذا الوصف لأنهم لم يظفروا بغير الطرد والاحتراق.
[ ١٩ / ٣٩٤ ]