ولما أبلغ سبحانه في المواعظ في هذه السورة قولًا وفعلًا، وكانت الإيقاعات المذكورة فيها مسببة عن الخيانات ممن كان له عهد فنقضه، أو ممن كان أظهر الإيمان فأبان فعله كذبه، قال ﷾ استنتاجًا عن ذلك وعظًا للمؤمنين لأن الوعظ بعد المصائب أوقع في النفس وأعظم في ترقيق القلب وتحذيره مما يوجب العقوبة: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ مناديًا لهم نداء البعد معبرًا بأدنى أسنان الإيمان لأنه عقب ذكر من أقر بلسانه فقط ﴿اتقوا الله﴾ أي اجعلوا لكم وقاية تقيكم سخط الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه ولا بد أن يستعرض عبيده، فاحذروا عقوبته بسب التقصير فيما حده لكم من أمر أو نهي ﴿ولتنظر نفس﴾ أي كل نفس تنظر إلى نفاستها وتريد العلو على أقرانها، ولعله وحدها للإشارة مع إفادة التعميم إلى قلة الممثل لهذا الأمر جدًا ﴿ما قدمت﴾
[ ١٩ / ٤٥٧ ]
أي من الزاد الذي يكون به صلاح المنزل الذي من لم يسع في إصلاحه لم يكن له راحة، هل يرضي الملك ما قدمته فينجيها أو يغضبه فيرديها.
ولما كان الأجل مبهم الوقت، فكان لقاء الله في كل يوم بل كل لحظة للعاقل مترقبًا لكونه ممكنًا مع كونه على الإطلاق محققًا لا يجهله أحد، قال مشيرًا بتنكيره وإبهامه إلى تهويله وإعظامه: ﴿لغد﴾ أي لأجل العرض بعد الموت أو في يوم القيامة الذي هو في غاية القرب لأن هذه الدنيا كلها يوم واحد يجيء فيه ناس ويذهب آخرون، والموت أو الآخرة غده، لا بد من كل منهما، وكل ما لا بد منه فهو في غاية القرب لا سيما إن كان باقيًا غير منقض، وكل من نظر لغده أحسن مراعاة يومه، وتنوينه للتعظيم من جهات لا تحصى.
ولما أمر بتقواه سبحانه خوفًا من سطواته أمر بتقواه لأجل مراقبته حياء من جلالته وهيبته تأكيدًا للأمر لأن مدار النجاة على التقوى لأن مكايد الشيطان دقيقة، فمن لم يبالغ في محاسبة نفسه وتفقد ما يمكن أن يكون من الخلل في أعماله أوشك أن يحبط الشيطان أعماله فقال تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ أي الجامع لجميع صفات الكمال أي اتقوه حياء منه، فالتقوى الأولى لإيجاد صور الأعمال، وهذه لتصفيتها وتزكية أرواحها، ولذلك علل بقوله
[ ١٩ / ٤٥٨ ]
مرغبًا مرهبًا: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿خبير﴾ أي عظيم الاطلاع على ظواهركم وبواطنكم والإحاطة ﴿بما تعملون *﴾ فلا تعملون عملًا إلا كان بمرأى منه ومسمع فاستحيوا منه، وكرر الاسم الأعظم كراهية أن يظن تقييد التقوى بحيثية من الحيثيات تعظيمًا لهذا المقام إعلامًا بأن شؤونه لا تنحصر وأن إحاطته لا تخص مقامًا دون مقام ولا شأنًا سوى شأن.
ولما هز إلى تقواه تارة بالخوف وأخرى بالحياء تأكيدًا لها، وعلل ذلك بما له شعبة من التحذير، وكان الإنسان لما له من النسيان أحوج إلى التحذير، قال مؤكدًا لشعبته وإيضاحًا لأن التقوى الثانية لمحاسبة النفس في تصفية العمل: ﴿ولا تكونوا﴾ أيها المحتاجون إلى التحذير وهم الذي آمنوا ﴿كالذين نسوا الله﴾ أي أعرضوا عن أوامره ونواهيه وتركوها ترك الناسين لمن برزت عنه مع ما له من صفات الجلال والإكرام لما استغواهم به من أمره الشيطان حتى أبعدهم جدًا عن العمران ﴿فأنساهم﴾ أي فتسبب عن ذلك أن أنساهم بما له من
[ ١٩ / ٤٥٩ ]
الإحاطة بالظواهر والبواطن ﴿أنفسهم﴾ فلم يقدموا لها ما ينفعها وإن قدموا شيئًا كان مشوبًا بالمفسدات من الرياء والعجب، فكانوا مما قال فيه. ﷾ ﴿وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارًا حامية تسقى من عين آنية﴾ [الغاشية: ٢ - ٣ - ٤ - ٥] لأنهم لم يدعوا بابًا من أبواب الفسق فإن رأس الفسق الجهل بالله، ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس، فأعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه «من عرف نفسه فقد عرف ربه» .
ولما كانت ثمرة ذلك أنهم أضاعوها - أي التقوى - فهلكوا قال: ﴿أولئك﴾ أي البعيدون من كل خير ﴿هم﴾ أي خاصة دون غيرهم ﴿الفاسقون *﴾ أي العريقون في المروق من دائرة الدين.
ولما تم الدليل على أن حزب الله هم المفلحون لما أيدهم به في هذه الحياة الدنيا من النصر والشدة على الأعداء واللين والمعاضدة للأولياء وسائر الأفعال الموصلة إلى جنة المأوى، وصرح في آخر الدليل بخسران حزب الشيطان فعلم أن لهم مع هذا الهوان عذاب النيران، وكان المغرور بعد هذا بالدنيا الغافل عن الآخرة لأجل شهوات فانية وحظوظ زائلة عاملًا عمل من يعتقد أنه لا فرق بين الشقي بالنار
[ ١٩ / ٤٦٠ ]
والسعيد بالجنة لتجشمه التجرع لمرارات الأعمال المشتملة عليها، أشج ذلك قوله منزلًا لهم منزلة الجازم بذلك أو الغافل عنه تنبيهًا لهم على غلطهم وإيقاظًا من غفلتهم: ﴿لا يستوي﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿أصحاب النار﴾ التي هي محل الشقاء الأعظم ﴿وأصحاب الجنة﴾ التي هي دار النعيم الأكبر لا في الدنيا ولا في الآخرة وهي من أدلة أنه لا يقتل مسلم بكافر.
ولما كان نفي الاستواء غير معلم في حد ذاته بالأعلى من الأمرين، كان هذا السياق معلمًا بما حفه من القرائن بعلو أهل الجنة، صرح به في قوله: ﴿أصحاب الجنة هم﴾ أي خاصة ﴿الفائزون *﴾ المدركون لكل محبوب الناجون من كل مكروه، وأصحاب النار هم الهالكون في الدارين كما وقع في هذه الغزوة لفريقي المؤمنين وبني النضير ومن والاهم من المنافقين، فشتان ما بينهما.
ولما كان قد مر في هذه السورة فضلًا عما تقدمها من حكمة هذا القرآن وإعجازه تارة بمطابقته لما نزل بسببه مطابقة تجلو عنه كل إشكال، وتارة بما يشاهد من صدقه فيما أخبر بإتيانه من الأفعال، وأخرى بما يتحدى به من الأقوال، ومرة بنظم كل جملة مع ما تقدمها على ما لم يكن لبشر مثله في الأحوال إلى غير ذلك من أمور لا يحصرها المقال، ترتب على ذلك قوله مبينًا أن سبب افتراق الفريقين في العقبى افتراقهم في
[ ١٩ / ٤٦١ ]
هذا القرآن في الأولى تمثيلًا للقلوب في قسوتها أو لينها عند سماع القرآن وتخيلًا توبيخًا للقاسي ومدحًا للعاطف اللين لافتًا القول إلى أسلوب العظمة لاقتضاء الحال لها: ﴿لو أنزلنا﴾ بعظمتنا التي أبانها هذا الإنزال ﴿هذا القرآن﴾ أي الجامع لجميع العلوم، الفارق بين كل ملتبس - المبين لجميع الحكم ﴿على جبل﴾ أي أي جبل كان ﴿لرأيته﴾ مع صلابته وفوته يا أشرف الخلق إن لم يتأهل غيرك لمثل تلك الرؤية ﴿خاشعًا﴾ أي مطمئنًا مخبتًا على صلابته متذللًا باكيًا ﴿متصدعًا﴾ أي متشققًا غاية التشقق كما تصدع الطور لتجلينا له بما دون ذلك من العظمة التي جلونا كلامنا الشريف لموسى ﵇ في ملابسها ﴿من خشية الله﴾ أي من الخوف العظيم من له الكمال كله حذرًا من أن لا يكون مؤديًا ما افترض عليه من تعظيم القرآن عند سماعه فما لابن لآدم وقد آتاه الله من العقل ما لم يؤت الجبل يستخف بحقه، ويعرض عما فيه من العبر، وفي الآية مدح للنبي ﷺ في ثباته لما لا تثبت له الجبال، وذم للمعرضين بكونهم أقسى من الجبال.
ولما كان التقدير تبكيتًا وتوبيخًا لمن لم يرق للقرآن ﴿أفلم يأن
[ ١٩ / ٤٦٢ ]
للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ [الحديد: ١٦] فإنا قد فصلنا لهم الحلال والحرام والأمر والنهي وأوضحنا الحكم ودللنا على المتشابه وقصصنا الأقاصيص بعد جعلهم عقلاء ناطقين، فتلك أقاصيص الماضين لعلهم يعتبرون عطف عليه قوله: ﴿وتلك الأمثال﴾ أي التي لا يضاد فيها شيء ﴿نضربها للناس﴾ أي الذي يحتاجونها وهم من فيهم تذبذب واضطراب ﴿لعلهم يتفكرون *﴾ أي لتكون حالهم عند من ينظرهم حال من يرجى تفكره في تلك الأمثال فينفعه ذلك إذا أراد التفكر إلى التذكر فرأى تنبيه الرسول ﷺ له أن كل ما في القرآن من شيء فيه مشاهد منه متطابق له كتاب الخلق وكتاب الأمر فتخلى عن الشهوات البهيمية فنجا من الحظوظ النفسية فتحلى بالملابس الروحانية فصار بالمجاهدات والمنازلات إلى الصفات الملكية فكان أهلًا للمقامات القدسية في الجنان العلية.
[ ١٩ / ٤٦٣ ]