ولما حد سبحانه ما يفعل في العدة، أتبعه ما يفعل عند انقضائها فسبب عما أمره بها فيها معبرًا بأداة التحقق لأن الخطاب على تقدير الحياة، معلمًا أن له الرجعة إلى آخر جزء من العدة لأنها إذا ثبتت في آخرها البعيد من الطلاق كان ما قبله أولى لأنه أقرب إلى الطلاق فقال: ﴿فإذا بلغن﴾ أي المطلقات ﴿أجلهن﴾ أي شارفن انقضاء العدة مشارفة عظيمة ﴿فأمسكوهن﴾ أي بالمراجعة، وهذا يدل على أن الأولى
[ ٢٠ / ١٤٧ ]
من الطلاق ما دون البائن لا سيما الثلاث. ولما كان الإنسان لما له من النقصان لا يقدر على كمال الإحسان قال منكرًا: ﴿بمعروف﴾ أي حسن عشرة لا بقصد المضارة بطلاق آخر لأجل إيجاب عدة أخرى ولا غير ذلك ﴿أو فارقوهن﴾ أي بعدم المراجعة لتتم العدة فتملك نفسها ﴿بمعروف﴾ بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر عرفه الشرع - أي حسنه - فلا يقصد أذاها بتفريقها من ولدها مثلًا أو منه إن كانت محبة له مثلًا بقصد الأذى فقط من غير مصلحة وكذا ما أشبه ذلك من أنواع الضرر بالفعل أو القول، فقد تضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات وبإبهامها اجتناب المنكرات.
ولما كان كل من المرافقة والمفارقة أمرًا عظيمًا، تبنى عليه أحكام فتحرم أضدادها، فيكون الخلاف فيها في غاية الخطر، وكان الإشهاد أليق بالمراد، وأقطع للنزاع، قال تعالى حاثًا على الكيس واليقظة والبعد عن أفعال المغفلين العجزة: ﴿وأشهدوا﴾ أي على المراجعة أو المفارقة ﴿ذوي عدل﴾ أي مكلفين حرين ثقتين يقظين ﴿منكم﴾ أي مسلمين وهو أمر إرشاد مندوب إليه، وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه وجوبه في الرجعية والصحيح الأول، ومن
[ ٢٠ / ١٤٨ ]
فوائده أن لا يموت أحدهما فيدعي الآخر الزوجية ببقاء علقة العدة ليرث.
ولما كان أداء الشهادة يعسر على الشاهد لترك مهماته وعسر لقاء الحكم الذي يؤدي عنده، وربما بعد مكانه، وكان للعدل في الأداء عوائق أيضًا، وكان الشهود من المأمورين بالإشهاد، حث على الأداء على وجه العدل بقوله: ﴿وأقيموا﴾ أي أيها المأمورون حيث كنتم شهودًا ﴿الشهادة﴾ أي التي تحملتموها بأدائها على أكمل أحوالها كما يفعل من يريد إقامة شيء ليصير واقفًا بنفسه غير محتاج إلى ما يدعمه. ولما كان ربما ميل أحد من المشهود عليهما الشاهد بشيء من المرغبات فأداها على وجهها لذلك الشيء لا لكونه الحق، قال مرغبًا مرهبًا ﴿لله﴾ أي مخلصين لوجه الملك الأعلى المحيط بكل شيء علمًا وقدرة وهو ذو الجلال والإكرام في أدائها على وجه الحق ظاهرًا وباطنًا، لا لأجل المشهود له ولا المشهود عليه، ولا شيء سوى وجه الله.
ولما كانت أحكامه ﷾ لا سيما في الكتاب المعجز مقرونة بعللها وفيها عند التأمل رقائق ودقائق تخشع لها القلوب وتجب الأفئدة في داخل الصدور قال ﴿ذلكم﴾ أي الذي ذكرت
[ ٢٠ / ١٤٩ ]
لكم أيتها الأمة من هذه الأمور البديعة النظام العالية المرام، وأولاها بذلك هنا الإشهاد وإقامة الشهادة.
ولما كانت أوامر الله تعالى وقصصه وأحكامه وجميع كلامه مختصًا من بين كلام الناس بأنه يرقق القلوب ويلين الشكائم لكونه روحًا لما فيه العدل الذي تهواه النفوس، وتعشقه الألباب، وتميل إليه الطبائع، وقامت به السماوات والأرض، ولما فيه أيضًا من ذكر من تعشقه الفطر القويمة من جميع أهل الخير من الأنبياء والملائكة والأولياء، مع تشريف الكل بذكر الله، سمي وعظًا، وبني للمجهول إشارة إلى أن الوعظ بنفسه نافع ولو لم يعرف قائله، وإلى أن الفاعل معروف أنه الله لكونه سمي وعظًا مع كونه أحكامًا فقال: ﴿يوعظ به﴾ أي يلين ويرقق ﴿من كان﴾ أي كونًا راسخًا، من جميع الناس ﴿يؤمن بالله﴾ أي يوقع ويجدد منكم ومن غيركم على سبيل الاستمرار من صميم قلبه الإيمان بالملك الذي له الكمال كله.
ولما كان البعث محط الحكمة لأن الدنيا مزرعة للآخرة، ولا يكون زرع بغير حصاد، كان خلو الإيمان عنه معدمًا للإيمان فقال: ﴿واليوم الآخر﴾ فإنه المحط الأعظم للترقيق، أما من لم يكن متصفًا بذلك فكأنه لقساوة قلبه ما وعظ به لأنه لم ينتفع به أبدًا.
[ ٢٠ / ١٥٠ ]
ولما كانت العبادة لا تكون إلا بالإعانة، وكان التقدير: فمن اتعظ بذلك كان اتعاظه شاهدًا له بإيمانه بذلك، وكان متقيًا، عطف عليه قوله اعتراضًا بين هذه الأحكام تأكيدًا للترغيب في الإعانة المترتبة على التقوى: ﴿ومن يتق الله﴾ أي يخف الملك الأعظم فيجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية مما يرضيه، وهو اجتلاب ما أمر به واجتناب ما نهى عنه من الطلاق وغيره ظاهرًا وباطنًا، وذلك صلاح قوي العلم بالإيمان والعمل بفعل المأمور به وترك المنهي عنه لأنه تقدم أن التقوى إذا انفردت في القرآن عن مقارن عمت الأمر والنهي، وإذا قرنت بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت المناهي: ﴿يجعل﴾ أي الله سبحانه بسبب التقوى ﴿له مخرجًا *﴾ بدفع المضار من كل ضيق أحاط به في نظير ما اجتنب من المناهي ﴿ويرزقه﴾ بحوله وقوته بجلب المسار في الدين والدنيا والآخرة في نظير ما اجتلب من فعل الأوامر.
ولما كان أحلى الهبات ما جاء من مكان لا يرجى قال: ﴿من حيث لا يحتسب﴾ أي لا يقوى رجاؤه له، ولما أكد في هذا وأعظم الوعد لأنه وإن كان عامًا لكل متق فتعلقه بما تقدم أقوى والنظر فيما تقدم إلى حقوق العباد أكثر، والمضايقة فيها أشد، والدواعي إليها أبلغ، فالاتقاء فيه بعدم الطلاق في الحيض والإضرار بالمرأة بتطويل العدة
[ ٢٠ / ١٥١ ]
أو الإخراج من المسكن وكتمان الشهادة والعسر في أدائها والإخلال بشيء منها والتأكيد والإبلاغ في الوعد لأجل ما جبل عليه الإنسان من القلق في أموره، عطف على ذلك قوله: ﴿ومن يتوكل﴾ أي يسند أموره كلها ويفوضها معتمدًا فيها ﴿على الله﴾ أي الملك الذي بيده كل شيء ولا كفوء له فقد جمع الأركان الثلاثة التي لا يصلح التوكيل إلا بها، وهي العلم المحيط لئلا يدلس عليه، والقدرة التامة لئلا يعجز، والرحمة بالمتوكل والعناية به لئلا يحيف عليه، والتوكل يكون مع مباشرة الأسباب وهو من المقامات العظيمة وإلا كان اتكالًا، وليس بمقام بل خسة همة وعدم مروءة، لأنه إبطال حكمة الله التي أحكمها في الدنيا من ترتيب المسببات على الأسباب - قاله الملوي ﴿فهو﴾ أي الله في غيب غيبه فضلًا عن الشهادة بسبب توكله ﴿حسبه﴾ أي كافيه، وحذف المتعلق للتعميم، وحرف الاستعلاء للاشارة إلى أنه قد حمل أموره كلها عليه سبحانه لأنه القوي الذي لا يعصيه شيء، والكريم الذي يحسن حمل ذلك ورعيه، والعزيز الذي يدفع عنه كل ضار ويجلب له كل سار، إلى غير ذلك من المعاني الكبار، فلا يبدو له في عالم الشهادة شيء يشقيه لا من الغيب ولا من غيب الغيب، وفي الحديث
«لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح
[ ٢٠ / ١٥٢ ]
بطانًا» .
ولما كان ذلك أمرًا لا يكاد يحيط به الوهم، علله بقوله مهولًا له بالتأكيد والإظهار في موضع الإضمار: ﴿إن الله﴾ أي المحيط بكل كمال المنزه عن كل شائبة نقص ﴿بالغ أمره﴾ أي جميع ما يريده فلا بد من نفوذه سواء حصل توكل أم لا، وسماه أمرًا إشارة إلى أنه مما يستحق أن يؤمر به وإلى أنه في سرعة الكون إذا أريد لم يتخلف بوجه بل يكون كالمؤتمر الحقير للملك الجليل الكبير.
ولما كان ضرب المقادير من القادر موجبًا لعدم الإخلال بشيء منها، علل ذلك بما اقتضى تحتم الوعد والتوكل فقال: ﴿قد جعل الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له ولا معقب لحكمه جعلًا مطلقًا من غير تقيد بجهة ولا حيثية ﴿لكل شيء قدرًا *﴾ أي تقديرًا لا يتعداه في مقداره وزمانه ومكانه وجميع عوارضه وأحواله وإن اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه، فمن توكل استفاد الأجر وخفف عنه الألم، وقذف في قلبه السكينة، ومن لم يتوكل لم ينفعه ذلك، وزاد ألمه وطال غمه بشدة سعيه وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجحة، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط، جف القلم فلا يزاد في المقادير شيء ولا ينقص
[ ٢٠ / ١٥٣ ]
منها شيء، ويحكى أن رجلًا أتى عمر ﵁ فقال: أولني مما أولاك الله فقال: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قال: إنا لا نولي من لا يقرأ القرآن، فانصرف الرجل واجتهد حتى تعلم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيوليه، فلما تعلم القرآن تخلف عن عمر فرآه ذات يوم فقال: يا هذا! أهجرتنا، فقال: يا أمير المؤمنين! لست ممن يهجر؟ ولكني تعلمت القرآن فأغناني الله عن عمر وعن باب عمر، قال: أي آية أغنتك؟ قال: قوله تعالى:
﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويزرقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق: ٢ و٣] انتهى. ومن توكل على غيره ﷾ ضاع لأنه لا يعلم المصالح وإن علمها لم يعلم أين هي، وإن علم لم يعلم متى يستعملها وإن علم لم يعلم كم المقدار المستعمل، وإن علم لم يعلم كيف يستعملها وهو سبحانه المنفرد بعلم ذلك كله وما لا يعلمه حق علمه غيره، والآية تفهم أن من لم يتق الله يقتر عليه، وهو موافق لما روى ابن حبان في صحيحه والحاكم واللفظ له - وقال: صحيح الإسناد - عن ثوبان ﵁ قال:
[ ٢٠ / ١٥٤ ]
قال رسول الله ﷺ: «لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» وتفهم أن من لم يتوكل لم يكف شيئًا من الأشياء.
[ ٢٠ / ١٥٥ ]