ولما كان من المعلوم أن من نهى آخر عن هواه وبالغ في ذلك أبغضه ذلك الناهي وتمنى هلاكه، فكيف إذا والى عليه الإنذار والتخويف بما لا يصل إلى دركه عقله ولا يرى له مقدمة بتحققها، وكان الكفار يسعون في هلاك النبي ﷺ ومن تبعه كل سعي، وكان هلاك النذير إنما ينفع المنذر على تقدير نجاته من
[ ٢٠ / ٢٦٦ ]
هول ما كان يحذره منه النذير، أمره سبحانه أن يذكرهم بهذا لينظروا في ذلك المتوعد به، فإن كان ممكنًا سعوا في الخلاص مما قد يكون منه من العذاب، وسلكوا في الهرب منه مسلكًا سهلًا بعيدًا من سوء الانقلاب، ودخلوا إلى فسيح المانع منه من أوسع باب، أو كفوا عن السعي في هلاك النذير وطووا ما مدوا له من الأسباب، ليدلهم إذا كان صادقًا على شيء يحميهم أو يخفف عنهم ذلك المصاب، فقال منبهًا على شدة الحذر من مكر الله وعدم الاغترار به للمؤمن الطائع لعلمه، أنه لا يقدر أن يقدر الله حق قدره فكيف بالعاصي فضلًا عن الكافر مكررًا للأمر بالقول تنبيهًا على أن كل جملة صدرت به كافية في الدلالة على مقصود السورة وعائدة إليه لما اشتملت عليه من باهر القدرة ووافر العظمة: ﴿قل﴾ أي يا أفضل الخلق كلهم وأشرفهم وأعظمهم وأتقاهم لهؤلاء الذين طال تضجرهم منك وهم يتمنون هلاكك حسدًا منهم وعمى في قلوبهم وبعدًا وطردًا، قد استحكم واستدار بهم ذلك تقدير العزيز العليم ﴿أرءيتم﴾ أي أخبروني خبرًا أنتم في الوثوق به على ما هو كالرؤية.
ولما كانوا غير عالمين بعاقبة الأمر في هلاكه ومن معه بما يقصدونهم به، حذرهم عاقبة ذلك بالتعبير بأداة الشك، وإسناد الإهلاك
[ ٢٠ / ٢٦٧ ]
إلى الله معبرًا عن الاسم الدال على تناهي العظمة إلى حد لا يدع لغيره منها شيئًا إعلامًا بأنه على القطع بأنه لا شيء في أيديهم فهو لا يخافهم بوجه فقال: ﴿إن أهلكني﴾ أي أماتني بعذاب أو غيره ﴿الله﴾ أي الذي له من صفات الجلال والإكرام ما يعصم به وليه ويقصم به عدوه ﴿ومن معي﴾ أي من المؤمنين والمناصرين ﵃ أجمعين بغضبه علينا مع ما لنا من الأسباب بالطاعة بالأعمال الصالحة التي رتب سبحانه عليها الفوز والنجاة حتى لا يبقى أحد ممن يكدر عليكم بالمنع من الهوى القائد إلى القوى والحث على العقل الضامن للنجاة ﴿أو رحمنا﴾ بالنصرة وإظهار الإسلام كما نرجو فأنجانا بذلك من كل سوء ووقانا كل محذور وأنالنا كل سرور، فالآية من الاحتباك: ذكر الإهلاك أولًا دليلًا على النجاة ثانيًا، والرحمة ثانيًا دليلًا على الغضب أولًا ﴿فمن﴾ وكان ظاهر الحال يقتضي: يجيركم مع طلبكم المسببات من الفوز والنجاة بغير أسباب بل بأسباب منافية للنجاة جالبة للعذاب، فوضع الظاهر موضع الضمير تعميمًا وتعليقًا للحكم بالوصف واستعطافًا لهم إلى إيقاع الإيمان والرجوع عن الكفران فقال: ﴿يجير الكافرين﴾ أي العريقين في الكفر بأن
[ ٢٠ / ٢٦٨ ]
يدفع عنهم ما يدفع الجار عن جاره ﴿من عذاب أليم *﴾ يصيبهم به الذي هم عالمون بأنه لا شيء إلا بيده، وإلا لنجى أحد من الموت الذي خلقه وقدره بين عباده جزاء على ما كانوا يؤلمون من يدعوهم إليه وينصحهم فيه، فإذا كان لا ينجيهم من عذابه شيء سواء متنا أو بقينا فالذي ينبغي لهم إن كانوا عقلاء السعي فيما ينجى من عذابه، لا السعي في إهلاك من هو ساع في خلاصهم من العذاب، ولا يقدرون على إهلاكه أصلًا إلا بتقدير الذي أمره بإنذارهم.
ولما كان لا يقدر على التعميم بالنعمة إلا من كان عام القدرة والنعمة والرحمة، وكان التذكير بالنعم أشد استعطافًا، صرف القول إلى التعبير بما هو صريح في ذلك، فقال مذكرًا بذلك لعلمهم بأنه لا نعمة عليهم إلا منه واعترافهم بذلك ليحذروه ويتذكروا عموم قدرته فيعلموا قدرته على البعث فينفصل النزاع: ﴿قل﴾ يا خير الخلق: ﴿هو﴾ أي الله وحده ﴿الرحمن﴾ أي الشامل الرحمة لكل ما تناولته الربوبية، فلا يليق بعقل عاقل أن يدع أحدًا من خلقه في ظلم ظالمه فلا يأخذ له بحقه، لأن ذلك لا يرضاه أقل الناس لنفسه مع عجزه فكيف بمن هو كامل القدرة وإلا لما قدر على عموم الرحمة ﴿آمنا به﴾
[ ٢٠ / ٢٦٩ ]
أي أنا ومن آمن بي لهذا البرهان القاطع بأنه لا يكافئه شيء فهو كاف في الإيمان به ﴿وعليه﴾ أي وحده ﴿توكلنا﴾ لأنه لا شيء في يد غيره وإلا لرحم من يريد عذابه أو عذاب من يريد رحمته، فكل ما جرى على أيدي خلقه من رحمة أو نقمة فهو الذي أجراه لأنه الفاعل بالذات، المستجمع لما يليق به من الصفات، فنحن نرجو خيره ولا نخاف غيره، وقد أقررنا له بهذه العبارة على وجه الحصر بالألوهية والربوبية فلا نحتج في السلوك إليه إلى معوق عن ذكره والتفكر في آلائه ولو كان المعوق نفيسًا في ظاهر الحياة الدنيا ولو كان مخوفًا فإنه لا خوف معه سبحانه، فالتوكل عليه منجاة من كل هلكة مجلبة لكل ملكة، ولم يفعل كما تفعلون أنتم في توكلكم على رجالكم وجاهكم وأموالكم.
ولما أبان هذا طريق الصواب، وجلى كل ارتياب، وكان لا بد من الرجوع إليه والانقلاب، لإتمام الرحمة بالثواب والعقاب، سبب عنه قوله: ﴿فستعلمون﴾ أي عند التجلي عليكم بصفة القهر عما قليل بوعد لا خلف فيه ﴿من هو﴾ أي منا ومنكم متداع بذاته ظاهرًا وباطنًا
[ ٢٠ / ٢٧٠ ]
﴿في ضلال﴾ أي أخذ في غير مسلك موصل إلى مقصد محيط به الضلال بحيث إنه لا قدرة له على الانفكاك منه إلا إن أطاع من يجره بيده فيخرجه منه، ولما كان الشيء إذا كان فيه نوع لبس كان ربما اقتضى قبول العذر قال: ﴿مبين *﴾ أي بين في نفسه موضح لكل أحد أنه لا خفاء به.
ولما افتتح سبحانه السورة بعظيم بركته وتمام قدرته وتفرده في مملكته، ودل على ذلك بتفرده بالإماتة والإحياء، ختم بمثل ذلك بالماء الذي وجوده هو سبب للحياة وعدمه سبب للموت، فقال قارعًا بالتنبيه مشيرًا بتكرير الأمر إلى مزيد التوبيخ والزجر والتبكيت دالًا على تعيين ما أبهم من أهل الضلال، ومصرحًا بما لوح إليه من ذلك الإجمال. ﴿قل﴾ أي يا أعظم خلقنا وأعلمهم بنا: ﴿أرءيتم﴾ أي أخبروني إخبارًا لا لبس فيه ولا خفاء، ولما كان شديد العناية بهذا النبي الكريم ﷺ، سكن قلبه في وعيدهم بالإشارة إلى الرفق بهم لأجله، فابتدأ الوعيد بحرف الشك فقال: ﴿إن﴾ ولما كانت النعمة أشد ما يكون إذا كانت في الصباح الذي هو موضع ارتقاب الفلاح قال: ﴿أصبح مآؤكم﴾ أي الذي تعدونه في أيديكم - بما نبهت عليه الإضافة.
ولما كان المقصود المبالغة، جعله نفس المصدر فقال: ﴿غورًا﴾
[ ٢٠ / ٢٧١ ]
أي نازلًا في الأرض بحيث لا يمكن لكم نيله بنوع حيلة - بما دل على ذلك الوصف بالمصدر ﴿فمن يأتيكم﴾ على ضعفكم حينئذ وافتقاركم وانخلاع قلوبكم واضطراب أفكاركم ﴿بماء معين *﴾ أي جار دائمًا لا ينقطع أو ظاهرًا للأعين سهل المأخذ إلا الله رب العالمين فإنه هو القادر على ذلك، فقد رجع ذلك الآخر كما ترى على ذلك الأول، وعانقه على أحسن وجه وأكمل - والله أعلم.
سورة القلم
مقصودها إظهار ما استتر، وبيان ما أبهم في آية) فستعلمون من هو في ضلال مبين (بتعيين النهتدي الذي برهن على هدايته حيازته العلم الذي هو النور الأعظم الذي لا يضل بمصاحبته بتقبل القرآن والتخلق بالفرقان الذي هو صفة الرحمن بقدر الإمكان الذي تصل إليه قوة الإنسان، وأدل ما فيها على هذا الغرض " ن " وكذا " القم " فلذا سميت بكل منهما، وبالكلام على كل منهما يعرف ذلك، وحاصله أن النون مبين محيط يفيبيانه كما يحيط ضوء الشمس بما يظهره
[ ٢٠ / ٢٧٢ ]
وكما تحيط الدواة بمدادها بآية ما دل عليه بمخرجه وصفاته، واستقر الكلام الواقع فيها وفي المعهاني التي اشتركت في لفظه، وأمات القلم فإبانته للمعارف أمر لا ينكر) بسم الله (الذي له الإحاطة الكاملة فهو على كل شيء قدير لأنه بكل شيء عليم) الرحمن (الذي عمت نعمة إيجاده لأهل معاده البرئ منهم والسقيم) الرحيم (الذي أتم تلك النعمة على من وفقه لطاعته فألزمه الصراط المستقيم.
[ ٢٠ / ٢٧٣ ]