ولما تشوف السامع إلى معرفة بعض ذلك قال: ﴿قالوا﴾ منادين لما شغلهم قربه منهم وملازمته عن كل شيء: ﴿يا ويلنا﴾
[ ٢٠ / ٣١٣ ]
أي هذا وقت حضورك أيها الويل إيانا ومنادتك لنا فإنه لا نديم لنا إلا أنت، والويل هو الهلاك والإشراف عليه.
ولما كان أهل الرذالة ينكرون أن يكون من يمنع الفقراء طاغيًا، أكدوا قولهم: ﴿إنا كنا﴾ أي جبلة وطبعًا ﴿طاغين *﴾ أي مجاوزين الحدود فيما فعلنا من التقاسم على منع الفقراء وعلى جذها في الصباح من غير استثناء فعل القادر، وكان ذلك إن كان لا بد لنا منه ممكنًا بغير قسم ولا إخفاء من الغير ولا مخافتة حال السير بأن يقال للفقراء: يفتح الله، ونحو ذلك من الكلام.
ولما قدموا ما هو أنفع لهم من اللوم المتقضي لإجماعهم على التوبة فعلم بذلك الندم الذي هو أمارة التوبة، استأنفوا جوابًا لمن سأل: هل اقتصروا على التلاوم؟ قولهم: ﴿عسى﴾ أي يمكن أن يكون وهو جدير وخليق بأن يكون ﴿ربنا﴾ أي الذي أحسن إلينا بتربية هذه الجنة وبإهلاك ثمرها الآن تأديبًا لنا ﴿أن يبدلنا﴾ أي من جنتنا شيئًا ﴿خيرًا منها﴾ يقيم لنا أمر معاشنا فتنقلب أحوالنا هذه التي نحن فيها من الهموم والبذاذة بسرور ولذاذة بما أفاده إيقاع الفعل على ضميرهم، وقراءة أبي عمرو ونافع بالتشديد وقراءة الباقين بالتخفيف وهما
[ ٢٠ / ٣١٤ ]
متقاربتان غير أن التشديد يدل على التدريج، فالتخفيف أبلغ معنى: وإنما تعلق رجاؤنا بسبب توبتنا وعلمنا بأن ربنا قادر على ما يريد، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
ولما دل هذا الدعاء على إقبالهم على الله وحده صرحوا وأكدوا لأن حالهم الأول كان حال من ينكر منه مثل ذلك فقالوا معللين: ﴿إنا﴾ ولما كان المقام للتوبة والرجوع عن الحوبة، عبروا بأداة الانتهاء إشارة إلى بعدهم عن الحضرات الربانية تأدبًا منهم فقالوا: ﴿إلى ربنا﴾ أي المحسن إلينا والمربي لنا بالإيجاد ثم الإبقاء خاصة لا إلى غيره سبحانه ﴿راغبون *﴾ أي ثابتة رغبتنا ورجاؤنا الخير والإكرام بعد العفو، وقد قيل إن الله تعالى جلت قدرته قبل رجوعهم وأخلف عليهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان بحيث كان القطف الواحد منها يحمله وحده من كبره البغل - رواه البغوي عن ابن مسعود، ولكن لما كان المقام لترهيب من ركن إلى ماله واحتقر الضعفاء من عباد الله ولم يجلهم بجلاله طواه، وذكر ما صور هذا الكلام وأنتجه من مساواة حال قريش وحال هؤلاء في الإحسان وطول الحلم مع احتقار أوليائه والتقوى عليهم بأفضاله ونعمائه، فقال مرهبًا: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الذي بلونا به أصحاب الجنة من إهلاك ما كانوا
[ ٢٠ / ٣١٥ ]
عند أنفسهم في غاية القدرة عليه والثقة به مع الاستحسان منهم لفعلهم والاستصواب وهددنا به أهل مكة فلم يبادروا إلى المتاب: ﴿العذاب﴾ الذي تحذرهم منه وتخوفهم به في الدنيا، فإذا تم الأجل الذي قدرناه له أخذناهم به غير مستعجلين ولا مفرطين لأنه لا يعجل إلا ناقص يخاف الفوت.
ولما كانوا منكرين لأمور الآخرة أشد من إنكارهم لأمور الدنيا أكد قوله: ﴿ولعذاب الآخرة﴾ أي الذي يكون فيها للعصاة والجبارين ﴿أكبر﴾ أي في كل ما يتوهمونه.
ولما كان هذا موجبًا لمن له أدنى شعور للهروب منه قال: ﴿لو كانوا﴾ أي الكفار ﴿يعلمون *﴾ أي لو كان لهم علم بشيء من غرائزهم في وقت من الأوقات لرجعوا عما هم فيه مما عرفوا أنه يغضب الله فيكون سبب العذاب في الدارين، وهم مع ذلك مما يرزىء بهم عند الله وعند الناس من تلك الآثار الخبيثة التي منها الأيمان الكاذبة، ويدل على عدم شجاعتهم وقلة عقولهم، لكنهم ليس لهم نوع علم الآن، والمختوم بموته على الكفر لا يتجدد له نوع علم، وغيره سيرجع في الوقت الذي قدره الله له.
[ ٢٠ / ٣١٦ ]
ولما ذكر ما لأهل الجمود الذين لا يجوزون الممكنات، ذكر أضدادهم فقال مؤكدًا لأجل إنكارهم: ﴿إن للمتقين﴾ أي العريقين في صفة التقوى خاصة دون غيرهم ممن لا يتقي، والتقوى: الاحتراز بالوقاء الحامل عليه الخوف من المؤذي، الحامل عليه تجويز الممكنات، قال الملوي: وأصلها أن الفرس الواقي - وهو الموجوع الحافي - لا يضع حافره حتى يرى هل الموضع لين يناسب، وكذا المتقي لا يتحرك ولا يسكن إلا على بصيرة من رضا الله بذلك، فلا يفعل أحد منهم شيئًا من تلك الآثار الخبيثة التي تقدمت للمكذبين، فحازوا الكمال بصلاح القوة العملية الناشىء عن صلاح القوة العلمية، وزاد في الترغيب إشارة إلى جنة القلب وبسط الروح بقوله: ﴿عند ربهم﴾ أي المحسن إليهم في موضع ندم أولئك وخيبة آمالهم، فإن تقريبهم دل على رضاه سبحانه، ورضا صاحب الدار مطلوب قبل نظر الدار، ولما أشار إلى جنة القلب أتبعها جنة القالب فقال تعالى: ﴿جنات﴾ جمع جنة وهي لغة البستان الجامع، وفي عرف الشرع مكان اجتمع فيه جميع السرور وانتفى منه جميع الشرور ﴿النعيم *﴾ وهو الخالص من المكدر والمشوش والمنغص، لا شيء فيها غيره أصلًا - بما أفادته الإضافة.
ولما كان عدم إيراث كل من الفريقين الدار التي تقدم وصفها
[ ٢٠ / ٣١٧ ]
تسوية بين المحسن والمسيء، وكان ذلك لا يليق بحكيم أن يفعله، وجب إنكاره لتحقق أن ما أخبر به سبحانه لا يكون إلا كذلك لا سيما وقد كان الكفار يقولون: إنهم كالمسلمين أو أحسن حالًا منهم، وذلك أنه إن كان لا بعث، كما كانوا يظنون، فقد استووا فيما بعده مع ما فضلوهم به في الدنيا من اتباع الأهواء والظفر باللذائذ، وإن كان ثم بعث فقد كانوا يقولون لشبهة دعتهم إليها شهوتهم: أما نكون على تقديره أحسن حالًا منكم وآثر عند الله في حسن العيش كما نحن في هذه الدار لأنه ما بسط لنا في هذه الدار إلا ونحن عنده أفضل منكم، فقال تعالى منكرًا ومكذبًا لذلك غاية إنكار والتكذيب عائبًا التحكم بالجهل غاية العيب نافيًا للمساواة ليكون انتقامًا هو أعلى من باب الأولى مسببًا عما تقديره: ولا يكون لغير المتقين ذلك: ﴿أفنجعل المسلمين﴾ أي الذين هم عريقون في الانقياد لأوامرنا والصلة لما أمرنا بوصله طلبًا لمرضاتنا فلا اختيار لهم معنا في نفس ولا غيرها لحسن جبلاتهم ﴿كالمجرمين *﴾ أي الراسخين في قطع ما أمرنا به أن يوصل وأنتم لا تقرون مثل ذلك، بل من عاندكم نوع معاندة قاطعتموه ولو وصل الأمر إلى القتل.
[ ٢٠ / ٣١٨ ]
ولما كشف هذا الدليل الشبه ورفع الستار، فأوصل إلى أعظم من ضوء النهار، لفت القول إليهم بالخطاب لفت المغضب عند العتاب، فقال معجبًا منهم منبهًا على ما هم فيه من اعوجاج الفطر وفساد الفكر منكرًا عليهم غاية الإنكار: ﴿ما لكم﴾ أي أيّ شيء يحصل لكم من هذه الأحكام الجائرة البعيدة عن الصواب.
ولما نبههم على أنه ليس لهم في مثل هذه الأحكام شيء يمكن أن يكون نافعًا، وكان العاقل إذا علم أن شيئًا من الأشياء لا نفع فيه بعد منه، أنكر عليهم ثالثًا حال أحكامهم هذه لأن نفي أحوالها أشد لنفيها كما تقدم في ﴿كيف تكفرون﴾ في [البقرة: ٢٨] فقال: ﴿كيف تحكمون *﴾ أي أيّ عقل دعاكم إلى هذا الحكم الذي يتضمن التسوية من السيد بين المحسن من عبيده والمسيء.
ولما كان الحكم لا يمكن وجوده إلا مكيفًا بكيفية، وكان ﷾ قد نفى حكمهم هذا بإنكار جميع كيفياته التي يمكن أن يصح معها، وكان الحكم الصحيح لا بد وأن يكون مستندًا إلى عقل أو نقل، زاد بطلان حكمهم وضوحًا بنفي الأمرين معًا، فقال عاطفًا
[ ٢٠ / ٣١٩ ]
على ما تقديره: ألكم دليل من العقل إليه تلجؤون: ﴿أم لكم كتاب﴾ أي سماوي معروف أنه من عند الله خاص بكم ﴿فيه﴾ أي لا في غيره من أساطير الأولين وزبر الممحوقين ﴿تدرسون *﴾ أي تقرؤون قراءة أتقنتم مخالطتها أو أنعمتم فهمه بسببها.
ولما ذكر الدرس ذكر المدروس فقال تعالى: ﴿إن لكم﴾ أي خاصة على وجه التأكيد الذي لا رخصة في تركه ﴿فيه﴾ أي الكتاب لتكونوا في غاية الوثوق به، لا في غيره مما لا وثوق لكم به ﴿لما تخيرون *﴾ أي تبالغون في انتقائه وأخذ خياره، وكسر الهمزة وكان حقها الفتح لولا اللام لأن ما بعدها هو المدروس، ويجوز أن تكون الجملة حكاية للمدروس وأن تكون استئنافية.
[ ٢٠ / ٣٢٠ ]