ولما نفى دليل العقل والنقل مع التعجب منهم والتهكم بهم، وكان قد بقي أن الإنسان ربما عاهد غيره على شيء فيلزمه الوفاء به وإن كان خارجًا عما يدعو إليه العقل والنقل، نفى ذلك بقوله: ﴿أم لكم أيمان﴾ أي غليظة جدًا ﴿علينا﴾ قد حملتمونا إياها ﴿بالغة﴾ أي
[ ٢٠ / ٣٢٠ ]
لأجل عظمها إلى نهاية رتب التأكيد بحيث يكون بلوغ غيرها ما يقصد بالنسبة إلى بلوغها ذلك عدمًا أي أن بلوغها هو البلوغ لا غيره، أو ثباتها منته ﴿إلى يوم القيامة﴾ لا يمكن الخروج عن عهدتها إلا في ذلك اليوم ليحتاج لأجلها إلى إكرامكم في الدارين.
ولما ذكر ذلك القسم بالأيمان ذكر المقسم عليه فقال: ﴿إن لكم﴾ أي خاصة دون المسلمين ﴿لما تحكمون *﴾ أي تفعلونه فعل الحاكم الذي يلزم قوله لعلو أمره على وجه التأكيد الذي لا مندوحة عنه فتحكمون لأنفسكم بما تريدون من الخير.
ولما عجب منهم وتهكم بهم، ذيل ذلك بتهكم أعلى منه يكشف عوارهم غاية الكشف وينزل بهم أشد الحتف، فقال مخوفًا لهم بالإعراض: ﴿سلهم﴾ أي يا أيها الرسول الذي محت دلائله بقوة أنوارها الأنوار.
ولما كان السؤال سببًا لحصول العلم علقت، «سل» على مطلوبها الثاني وكان حقه أن يعدى بعن فقال: ﴿أيهم بذلك﴾ أي الأمر العظيم من المعاهدة والدليل النقلي والعقلي ﴿زعيم *﴾ أي كفيل وضامن أو سيد أو رئيس أو متكلم بحق أو باطل لتلزمه في ادعائه صحة ذلك
[ ٢٠ / ٣٢١ ]
ما تدعه به ضحكة للعباد، وأعجوبة للحاضر منهم والباد، فلم يجسر لما تعلمون من حقية هذا القرآن وما لأقوالهم كلها من العراقة في البطلان أحد منهم على شدة عداوتهم ومحبتهم للمغالبة وشماختهم أن يبرز لادعاء ذلك، ولما نفى أن يكون لهم منه سبحانه في تسويتهم بالمسلمين دليل عقلي أو نقلي أو عهد وثيق على هذا الترتيب المحكم والمنهاج الأقوم، أتبعه ما يكون من عند غيره إن كان ثم غير على ما ادعوا فقال: ﴿أم لهم شركاء﴾ أي شرعوا لهم من الدين أمرًا ووعدوهم بشيء أقاموا عليه من الأدلة ما أقمنا لنبينا ﷺ ﴿فليأتوا بشركائهم﴾ أي بأقوالهم وأفعالهم كما أتينا نحن في نصر نبينا محمد ﷺ من الأمرين معًا بما لا شبهة فيه، وسجل عليهم بالكتاب ملهبًا مهيجًا بما يحرق به أكبادهم ولا يقدرون على دفعه بوجه، فيكون ذلك أعظم دليل على إبطالهم: فقال: ﴿إن كانوا﴾ أي جبلة وطبعًا ﴿صادقين *﴾ أي عريقين في هذا الوصف كما يدعونه، ولما نفى جميع شبههم التي يمكن أن يتشبثوا بها مع البيان لقدرته على ما يريد من تفتيق الأدلة وتشقيق البراهين الدال على تمام العلم اللازم منه كمال القدرة فأوصلهم من وضوح الأمر إلى حد لم يبق معه إلا العناد، أتبع ذلك تهديدهم بما يثبت ذلك قدرته عليه من يوم الفصل ومعاملتهم
[ ٢٠ / ٣٢٢ ]
فيه بالعدل فقال: ﴿يوم﴾ يجوز أن يكون بيانًا ليوم القيامة، وبنى لإضافته إلى الجملة وأن يكون ظرفًا ليأتوا، أو منصوبًا بما أخذ من معنى الكلام من نحو: سيعلمون ما يلقون من غب هذه المعاملات وإن نالوا في هذه الدار جميع اللذات في جميع اليوم الذي ﴿يكشف﴾ أي يحصل الكشف فيه، وبني للمفعول لأن المخيف وقوع الكشف الذي هو كناية عن تفاقم الأمور وخروجها عن حد الطوق، لا كونه من معين، مع أن من المعلوم أنه لا فاعل هناك غيره سبحانه ﴿عن ساق﴾ أي يشتد فيه الأمر غاية الاشتداد لأن من اشتد عليه الأمر وجد في فصله شمر عن ساقه لأجله وشمرت حرمه عن سوقهن غير محتشمات هربًا، فهو كناية عن هذا ولذلك نكره تهويلًا له وتعظيمًا، نقل هذا التأويل عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير ﵁ وغيرهما، وعن انكشاف جميع الحقائق وظهور الجلائل فيه والدقائق من الأهوال وغيرها كما كشفت هذه الآيات جميع الشبه وتركت السامع لها في مثل ضوء النهار، وفي الجزء الخامس والثلاثين من مسند أبي يعلى الموصلي عن أبي بردة عن أبيه ﵁ تعالى عنهم عن النبي ﷺ في هذا قال:
«عن نور عظيم يخرون له سجدًا» وهو لا ينافي ما ذكر من التأويلين: الشدة والكشف. ولما كان هذا الكشف الذي كشف لهم المعاني في هذا القرآن إنما هو لأجل العبادة التي هي الخضوع الذي يعبر عنه بالسجود وهو
[ ٢٠ / ٣٢٣ ]
آيتها وأمارة ما اشتمل عليه الباطن منها وعلامتها فيأتونها وهم قادرون عليها ذكرهم يومًا يريدونها فيه فلا يتأتى لهم تنديمًا لهم وزيادة تحسير وإظهار تظليل وتخسير لأن ظهورهم وأعضاءهم تكون طبقًا واحدًا لا تنثني، فكلما أرادوا أن يسجدوا انقلبوا على أقفائهم، فقال بانيًا للمفعول دلالة على إرادتهم للانقياد ورغبتهم فيه من أي داع كان، وهو دال على أن التكليف لا ينقطع إلا بدخول كل من الفريقين داره و﴿يدعون﴾ أي من داعي الملك الديان ﴿إلى السجود﴾ توبيخًا على تركه الآن وتنديمًا وتعنيفًا لا تعبدًا وتكليفًا فيريدونه ليضروا أنفسهم مما يرون من المخاوف ﴿فلا﴾ أي فيتسبب عن ذلك أنهم لا ﴿يستطيعون *﴾ أي لأنهم غير سالمين لا أعضاء لهم تنقاد به مع شدة معالجتهم لأنفسهم على أن تطوع لهم أعضاؤهم بما تفهمه هذه الصيغة من أن الإنسان منهم إذا أراد الفعل وعالجة بقوة فلم يطقه فإن ظهورهم تكون على حالة لا تنثني معها بل كان فيها السفافيد فيكون لهم في ذلك أشد ندم لتركهم إياه في الدنيا وهم يقدرون عليه وهو إذ ذاك نافع لهم ومعالجتهم فعله أشد معالجة وهم غير قادرين عليه وهو غير نافع لهم وإذا عجزوا مع المعالجة كانوا بدونها أعجز، وذلك أنه يبعث المرء على ما مات عليه ويحشر على ما بعث عليه إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشر، ولما كان ربما ظن ظان أن المانع لهم الكبر كما في هذه الدنيا، قال مبينًا لنفي الكبر في
[ ٢٠ / ٣٢٤ ]
مثل هذا اليوم العظيم ﴿خاشعة﴾ أي مخبتة متواضعة ﴿أبصارهم﴾ لأن ما في القلب يعرف في العين، وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوههم أضوأ من الشمس، ووجوه الكافرين والمنافقين سود مظلمة.
ولما كان الخاشع لذلك قد يكون خشوعه لخير عنده حمله على ذلك مع العز قال: ﴿ترهقهم﴾ أي تغشاهم وتقهرهم ﴿ذلة﴾ أي عظيمة لأنهم استعملوا الأعضاء التي أعطاهموها ﷾ ليتقربوا بها إليه في دار العمل في التمتع بما يبعد منه.
ولما دلت هذه العبارة مطابقة لما ورد في الحديث الصحيح على أن من كان في قلبه مرض في الدنيا يصير ظهره طبقًا واحدًا فقارة واحدة فيعالج السجود فيصير كلما أراده انقلب لقفاه، عجب منهم في ملازمة الظلم الذي هو إيقاع الشيء في غير موقعه فقال: ﴿وقد﴾ أي والحال أنهم ﴿كانوا﴾ أي دائمًا بالخطاب الثابت ﴿يدعون﴾ في الدنيا من كل داع يدعو إلينا ﴿إلى السجود وهم﴾ أي فيأبونه والحال أنهم ﴿سالمون *﴾ أي فهم مستطيعون، ليس في أعضائهم ما يمنع من ذلك، وإنما يمنعهم منه الشماخة والكبر، فالآية من الاحتباك: ذكر عدم الاستطاعة أولًا دال على حذف الاستطاعة ثانيًا، وذكر السلامة ثانيًا دال على حذف عدم السلامة أولًا.
[ ٢٠ / ٣٢٥ ]