ولما عرف من هذا أن المعاتب المنبئة ومن نباته، وكان قد يكون عددًا أشار إلى أنه واحد فالمعاتب اثنتان، وكانتا قد اتسعت قلوبهما لما يأتي من قبل الله من الرغائب بهذا العتاب على هذا الأمر الخفي جدًا والكرم عليهما فيه بعدم الاستقصاء فمالت قلوبهما إلى المعالي وغاصت على جليل المعارف فصاغت من جواهر ذلك دقيق المعاني، لفت إليهما الخطاب بلطيف العباد لشريف المتاب، فقال تشريفًا آخر له ﷺ بالإقبال على نسائه رضي الله تعالى عنهن بالعتاب لأجله قيامًا عنه بما ربما أزعجه لو باشره حفظًا لخاطره الشريف مما قد يغره ﴿إن تتوبا﴾ أي يا عائشة ويا حفصة مما صنعته حفصة بالإفشاء وعائشة بالاحتيال على المنع من شرب العسل والتحليف على مارية ﴿إلى الله﴾ أي الملك الذي أحاط علمه فجلت قدرته ولطف بهما لأجله ﷺ غاية اللطف في قوله: ﴿فقد صغت﴾ أي مالت وغاضت بما صاغت ﴿قلوبكما﴾ وفي جمع القلوب جمع كثرة تأكيد لما فهمته من ميل القلب بكثرة المعارف بما أفادهما إظهار هذا السر والعتاب عليه من الحياء، فصارتا جديرتين بالمبادرة إلى التوبة متأهلتين لذلك غاية التأهل.
ولما أورد ما صارتا حقيقيتين به بأداة الشك إقامة للسامع بين
[ ٢٠ / ١٨٨ ]
الخوف والرجاء من ذلك وهو أعلم مما يكون أكمل ذلك بذكر شق الخوف، فقال معلمًا بأن الملك وأوليائه أنصار له ﴿وإن تظاهرا﴾ بالتشديد للإدغام في قراءة الجماعة لأن النظر هنا إن وقع كان على وجه الخفاء في أعمال الحيلة في أمر مارية ﵂ والعسل وما يأتي من مثل ذلك ما يبعث عليه الغيرة ﴿عليه﴾ أي النبي ﷺ المنبأ من قبل الله بما يرفع قدره ويعلي ذكره، وقراءة الكوفيين بالتخفيف بإسقاط إحدى التاءين إشارة إلى سهولة أمر هذه المظاهرة وقلة أذاها له ﷺ.
ولما كان المعنى كأنه لا يبالي بمظاهرة كما عبر عنه بعلته، فقال مؤكدًا إعلامًا بأن حال المتظاهرين عليه حال المنكر لمضمون الكلام: ﴿فإن الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ﴿هو﴾ أي بنفسه الأقدس وحضرة غيب غيبه التي لا يقوم لما لها من العظمة شيء ﴿مولاه﴾ أي ناصره والمتولي من أمره ما يتولاه القريب الصديق القادر وكل من له وعي يعلم كفايته سبحانه في ذلك فهو يعمل أبلغ ما يعمله مولى مع من هو متول لأمره وفي معاونته لنبيه ﷺ إظهار
[ ٢٠ / ١٨٩ ]
لشرفه ومراعاة لحفظ خاطره وشرح لصدره.
ولما كانت النفوس لمبنى هذه الدار على حكمة الأسباب مؤكلة بها ناظرة أتم نظر إليها، وكان نساء النبي ﷺ لكثرة ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة على لسان جبريل ﵊ وكثرة تردده إلى النبي ﷺ في بيوتهن ويعلمهن قد صار عندهن بذلك من الأسباب الظاهرة المألوفة، وكان هو أعظم أنصار النبي ﷺ قال: ﴿وجبريل﴾ لأنه من أعظم الأسباب التي يقيمها الله سبحانه.
ولما كان الحامل على مظاهرته ﷺ على كل ما يريده الإيمان فكل ما كان الإنسان فيه أمكن كان له أشد مظاهرة وأعون قال: ﴿وصالح المؤمنين﴾ أي الراسخين في رتبة الإيمان والصلاح من الإنس والجن وأبواهما ﵄ أعظم مراد بهذا، وقد روي أن عمر ﵁ قال للنبي ﷺ: لو أمرتني لأضربن عنقها، والصالح وإن كان لفظه مفردًا فمعناه الجمع المستغرق لأنه للجنس، ودل على ذلك مع دلالة السياق إضافته للجمع ولعله عبر بالإفراد مع أن هذا المراد للإشارة إلى قلة المتصف بهذا
[ ٢٠ / ١٩٠ ]
جدًا لقلة الراسخين في الإيمان وقلة الراسخين في الصلاح من الراسخين في الإيمان فهو قليل من قليل وقد جوز بعضهم أن يكون جمعًا وأنه حذفت واؤه في الرسم على خلاف القياس وهي محذوفة في الوصل لالتقاء الساكنين، فظن لذلك مفردًا ودخل في ذلك جبريل ﵇ أيضًا.
ولما كان الله ﷾ قد أعطى الملائكة من القوى والتصرف في الظواهر. والبواطن ما يجل عن الوصف، قال تعظيمًا للمقام بعد تعظيمه بما ذكر من رئيس الكروبيين عليهم الصلاة والسلام ﴿والملائكة﴾ أي كلهم ومنهم جبريل عليهم الصلاة والسلام فهو مذكور خصوصًا وعمومًا ثلاث مرات إظهارًا لشدة محبته وموالاته للنبي ﷺ. ولما كان المراد التعميم في الزمان والمكان بعد التعميم في الصالحين من الملائكة والإنس والجان، قال من غير جار معظمًا لنصرة الملائكة لما لهم من العظمة في القلوب لما تقرر لمن باشر منهم العذاب تارة بالرجفة وأخرى بالصعقة وتارة بالخسف وأخرى بغير ذلك، فكيف إذا تصور الآدمي المقيد بالمحسوسات اجتماعهم على ما لهم من الأشكال المهولة ﴿بعد ذلك﴾ أي الأمر العظيم الذي تقدم ذكره وهو مظاهرة الله ومن ذكر معه ﴿ظهير *﴾ أخبر عن الجمع باسم الجنس
[ ٢٠ / ١٩١ ]
إشارة إلى أنهم على كلمة واحدة في المظاهرة، فخوف بهذا كله لأجل المتاب لطفًا به ﷺ وإظهارًا لعظمته وفي قصة صاحب ياسين قال ﴿وما أنزلنا على قومه﴾ الآية، تحقيرًا لقومه وإهانة لهم، ويجوز أن يكون «ظهير» خبر جبريل ﵊، وخبر ما بعده محذوف لدلالته عليه أي كذلك.
ولما حذر بما تقدم، زاد في التحذير ما يقطع القلوب لأن أشد ما على المرأة أن تطلق ثم إذا طلقت أن تستبدل بها ثم أن يكون البدل خيرًا منها فقال مبينًا لأدنى أنواع المظاهرة سائقًا الأمر مساق الرجاء إشارة إلى أنه يكفي العاقل في الخوف تجويز احتمال الضرر فكيف إذا كان الأمر حتمًا لأن من المعلوم أن «عسى» من الله على طريق الكبراء لا سيما الملوك في اكتفائهم بالإشارات والرموز فمن هنا كانت واجبة لأنه ملك الملوك وهو ذو الكبرياء في الحقيقة لا غيره ﴿عسى ربه﴾ أي المسحن إليه بجميع أنواع الإحسان التي عرفتموها وما لم تعرفوه جدير وحقيق، ووسط بينها وبين خبرها اهتمامًا وتخويفًا قوله: ﴿إن طلقكن﴾ أي بنفسه من غير اعتراض عليه جمع أو بعضكن
[ ٢٠ / ١٩٢ ]
بإيجاد الطلاق لمن لم يطلقها وإدامته من طلقها ﴿أن يبدّله﴾ منكن بمجرد طلاقه لكن من غير أن تحوجه إلى التفتيش تبديلًا مبالغًا فيه بما أشارت إليه قراءة نافع وأبي جفعر وأبي عمرو بالتشديد، فهي أبلغ من قراءة الباقين بالتخفيف الدال على مطلق الإبدال الصالح للمبالغ فيه وغيره، ومن التشريف أيضًا إضافة الطلاق إليه والإبدال إلى الله مع التعبير بصفة الإحسان وتخصيص الإضافة! بضميره.
ولما كان الأوجع لقب الحرة حرة مثلها لا سرية قال: ﴿أزواجًا﴾ ولما كان علوها عليها في الرتبة هو النهاية في التأسيف قال: ﴿خيرًا﴾ ودل على أنها للتفضيل بقوله: ﴿منكن﴾ وهذا على سبيل الفرض وعام في الدنيا والآخرة فلا يقتضي وجود من هو خير منهن مطلقًا وإن قيل بوجوده في خديجة ﵂ لما جرب من تحاملها على نفسها في حقه ﷺ وبلوغها في حبه والأدب معه ظاهرًا وباطنًا النهاية القصوى ومريم ﵍ التي أحصنت فرجها حتى كانت من القانتين، وذلك في الآخرة، والكلام خارج مخرج الشرط بالطلاق وقد علم سبحانه أنه لا يقع لكنه سبحانه علم أنه لو وقع أبدله ﷺ من هو بالصفات المذكورة المقتضية للإخلاص
[ ٢٠ / ١٩٣ ]
في طاعته كما أشار إليه «قانتات» ولا شك أن من لازم طاعته وقيد الاتصال به في الدارين كان خيرًا من غيره، وتعليق تطلق الكل لا يدل على أنه لم يطلق حفصة ﵂ فقد روي أنه طلقها ولم يزدها ذلك إلا فضلًا من الله تعالى لأن الله تعالى أمره بأن يراجعها لأنها صوامة قوامه - والله الموفق. ولما وعد بما ذكر، وكان أول منظور إليه الظاهر، فصل ذلك الوعد وفسر الخيرية بادئًا بقوله: ﴿مسلمات﴾ أي ملقيات لجميع قيادهن ظاهرًا وباطنًا لله ولرسوله ﷺ على وجه الخضوع.
ولما كان المشاهد من الإسلام إنما هو الظاهر قال: ﴿مؤمنات﴾ أي راسخات في القوة العلمية بتصديق الباطن.
ولما كان ذلك قد يكون فيه نوع شوب قال: ﴿قانتات﴾ أي مخلصات في ذلك لا شائبة في شيء منه فهن في غاية ما يكون من إدامة الطاعة له من الذل والانكسار والمبادرة إلى امتثال أمره ﷺ في المنشط والمكره.
ولما كان الإنسان مجبولًا على النقصان، وكان الإخلاص يدل صاحبه على تقصيره فكان ربما فتره ذلك، قال تسهيلًا لخدمته وتقريبًا
[ ٢٠ / ١٩٤ ]
لدوام طاعته معلمًا الأدب لمحتاجه ﴿تائبات﴾ أي راجعات من الهفوات أو الزلات سريعًا إن وقع منهن شيء من ذلك. ولما كان هذا مصححًا للعبادة مسهلًا لدوامها قال: ﴿عابدات﴾ أي مديمات للعبادة بسبب إدامة تجديد التوبة. ولما كان دوام العبادة مسهلًا للخروج عن الدنيا قال: ﴿سائحات﴾ أي متصفات بصفات الملائكة من التخلي عن الدنيا والاستغراق في الآخرة بما أدناه الصيام ماضيات في ذلك غاية المضاء ليتم الانقياد لله ولرسوله ﷺ، لأن من كان هكذا لم يكن له مراد، فكان تابعًا لربه في أمره دائمًا ويصير لطيف الذات حلو الشمائل، قال الملوي: والمرأة إذا كانت كثيرة الصيام قليلة الأكل يقل عرقها ويصغر كرشها وتلطف رائحتها وتخف حركتها لما يراد منها - انتهى. وسوق هذه الأوصاف هذا السياق في عتاب من هو متصف بها معرف أن المراد منها التمام لا سيما وهي لا يوجد وصف منها على سبيل الرسوخ إلا كان مستلزمًا لسائرها، فلذلك لم يحتج في تعدادها إلى العطف بالواو. والتجريد عنه أقعد في الدلالة على إرادة اجتماعها كلها.
ولما أكمل الصفات الدينية النافعة في أمر العشرة ولم يبق إلا الصفات
[ ٢٠ / ١٩٥ ]
الكونية وكان التنويع إلى عارفة بالعشرة وباقية على أصل الفطرة، ألذ وأشهى إلى النفس، قال مقسمًا للنساء المتصفات بالصفات الست عاطفًا ثاني الوصفين بالواو للتضاد ﴿ثيبات﴾ قدمهن لأنهن أخبر بالعشرة التي هذا سياقها ﴿وأبكارًا﴾ .
[ ٢٠ / ١٩٦ ]