ولما كان ﷺ هو ومن معه فريقًا والأعداء فريقًا، وقد أبهم آخر الملك الضال في الفريقين قال: ﴿بأييكم﴾ أي في أي فريقيكم ﴿المفتون *﴾ أي بالضلال والجنون حتى صد عن الهدى ودين الحق، أو بأيكم الفتنة بالجنون وغيره على أن يكون مصدر فتن، قال الرازي: مصدر مثل المفتون وهو الجنون بلغة قريش كما يقال: ما له معقول وليس له مجلود، أي عقل وجلادة.
ولما كان هذا إخبارًا بجنونهم المستلزم لضلالهم على هذا الوجه المتصف، وكان مثل هذا قد يقع في محاورات الناس بضرب من الظن، استأنف تعالى ما هو كالتعليل لما أفاده السياق من هذا الحكم
[ ٢٠ / ٢٩٥ ]
عليهم إعلامًا بأنه ناشىء عن علم قطعي لا مرية فيه بوجه، فقال مؤكدًا لأجل إنكارهم لأن يكون الأمر على ما أفاده ما تقدم: إن ربك أي الذي رباك أحسن تربية وجبلك على أعظم الخلائق ﴿هو﴾ أي وحده ﴿أعلم﴾ أي من كل أحد لا سيما من يتحرض ﴿بمن ضل﴾ أي حار وجار وذهب وزل وضاع وغاب غيبة عظيمة لا يهتدي منها، وسلك غير سبيل القصد، وأخطأ موضع الرشد، معرضًا ﴿عن سبيله﴾ فكان أجن المجانين لأنه ﷾ خالقهم، وشارعه «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير» ولا سيما وهو الحي القيوم الذي لا يغفل ﴿وهو﴾ أي خاصة ﴿أعلم بالمهتدين *﴾ أي الثابتين على الهدى وهم أولو الأحلام والنهى، وهذا سر القدر الذي يقال: إنه إنما يظهر يوم الحاقة.
ولما كان من طبع البشر أن الحليم منهم الرزين إذا اشتد عليه الأذى ممن لم تجر العادة بأن مثله يطيق مثلهم قاربهم ولا يتهم فيما الخلاف بسببه بعض المقاربة، وكان سبب تلك المقاربة إنما هو عدم علمه بالعواقب، سبب سبحانه ما مضى من إعلامه
[ ٢٠ / ٢٩٦ ]
بحقائق الأمور وكشفه لمستورها قوله إلهابًا وتهييجًا على الثبات على معاصاتهم إعلامًا للضال بأماراته ليعلم المهتدي لأن الأمور تعلم بأضدادها. وهو خطاب له ﷺ والمراد أمته ليكون ذلك أبلغ في سماعهم: ﴿فلا تطع﴾ أي أيها المأمور بإنقاذهم من غوائل أهوائهم وأشراك أهلاكهم ﴿المكذبين *﴾ أي العريقين في التكذيب، قال الملوي: ولا يخفى أن كل كفر ظهر وكل ضلالة ظهرت، وكل بدعة وكل شر إنما كان سببه إفساد القوة العلمية والنطقية، وهو يكون بالتكذيب، ثم علل ذلك بما يكون مجموعه على وقوعه منهم من مدة طويلة وهم مستمرون عليه بقوله: ﴿ودوا﴾ أي أحبوا محبة عظيمة واسعة متجاوزة للحد قديمًا مع الاستمرار على ذلك وأكد تهالكهم على هذه الودادة بما يفهم التمني وإن ذلك مستمر منهم لا أنه وقع ومضى، فقال مشيرًا إلى إفسادهم القوة النطقية وخلق الشجاعة الغريزية: ﴿لو تدهن﴾ أي تلاين فتوافق على بعض
[ ٢٠ / ٢٩٧ ]
ما يريدون فتهادنهم على ترك نهيهم عن الشرك وترك التعرض لسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم؛ قال ابن برجان: والأدهان ملاينة وانجرار بالباطل وإغماض عن الحق مع المعرفة بذلك - انتهى.
وهو من الدهن لأنه يلين ما يدهن به.
ولما كان من طبعهم أنهم كانوا يلينون له ﷺ بعض الأوقات خداعًا كما قيل في سبب نزول «الكافرون» من أنهم قالوا له ﷺ: تعالى فلنصطلح على أن نعبد إلهك سنه وتعبد آلهتنا سنة، ونحو هذا من الأباطيل حتى أنهم سجدوا وراءه ﷺ لما تلا عليهم سورة النجم فسجد فيها فسجد وراءه الكفار والمؤمنون والجن والإنس حتى سمع المهاجرون إلى الحبشة وهم بالحبشة فرجع بعضهم ظنًا منهم أنهم قد أسلموا فوجدوهم على أخبث ما كانوا عليه أولًا، قال سبحانه معرفًا بأن ذلك منهم خداع: ﴿فيدهنون *﴾ أي فبسبب ودادتهم أنك تدهن هم يدهنون، فهو عطف على «ودوا» لا جواب «لو» لأجل تنبيهه ﷺ
[ ٢٠ / ٢٩٨ ]
على أن لينهم إنما هو خداع لم يرد به غير الفساد، وقد أخروا الإدهان وإن كانوا قديمًا في وداده طمعًا في أن تبدأ به فيظهروه حينئذ، قال القشيري: من أصبح عليلًا تمنى أن يكون الناس كلهم مرضى.
ولما نهاه عن طاعة المكذب وعلله، وكان من الناس من يخفي تكذيبه، قال ناصبًا علامات المكذب: ﴿ولا تطع﴾ أي في وقت من الأوقات منهم ولا من غيرهم ﴿كل حلاف﴾ أي مبالغ في الاجتراء على الأيمان وإن لم يظهر لك تكذيبه، وليس المراد النهي عن العموم بل عموم النهي، أي انته عن كل حلاف فالنهي أصل والكل وارد عليه، كما تقدم تخريج مثله في آخر البقرة في قوله تعالى ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ [البقرة: ٢٧٦] وهذه الأوصاف متفرخة من الكذب وخبث السجية، فهي كالتفصيل، فكثرة الحلف دالة على فساد القوة العلمية فنشأ عنها سقوط تعظيم الحق، فصار صاحبها لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، فلذلك يحلف صادقًا وكاذبًا كيفما اتفق ﴿مهين *﴾ أي حقير ضعيف سافل الهمة والمروءة سافل الرأي، لأن الإنسان لا يكثر الحلف إلا وهو يتصور في نفسه أنه لا يصدق إلا بذلك، لأنه ليس له من المهابة عند من يحدثه والجلالة ما يصدقه
[ ٢٠ / ٢٩٩ ]
بسببه، وهو مؤثر للبطالة لما فيها من موافقة طبعه، وذلك هو الحقارة الكبرى.
ولما كان كل من اتصف بصفة، أحب أن يشاركه الناس فيها أو يقاربوه لا سيما إن كانت تلك الصفة دنية ليسلم من العيب أو الانفراد به ولأن الشيء لما داناه ألف قال: ﴿هماز﴾ أي كثير العيب للناس في غيبتهم، وقال الحسن: هو الذي يغمز بأخيه في المجلس، أي لأن الهمز العض والعصر والدفع - من المهماز الذي يطعن به في بطون الدواب، وهو مخصوص بالغيبة كما أن اللمز مخصوص بالمواجهة.
ولما كانت النميمة - وهي نقل الحديث على وجه السعاية - أشد الهمز أفاد أنه يفعله ولا يقتصر على مجرد النقل بل يسعى به إلى غيره وإن بعد فقال تعالى: ﴿مشاء﴾ أي كثير المشي ﴿بنميم﴾ أي ينقل ما قاله الإنسان في آخر وأذاعه سرًا، لا يريد صاحبه إظهاره على وجه الإفساد للبين مبالغ في ذلك بغاية جهده.
ولما كان من كان هكذا يريد إعلاء نفسه بهضم الناس، وكان المنع لإرادة الاستئثار بالممنوع ليكون الغير محتاجًا إليه وعاكفًا عليه
[ ٢٠ / ٣٠٠ ]
لأن من طبعه أنه لا يرتبط إلا طمعًا لا شكرًا بضد الجواد، فإنه يرفع نفسه عن المطامع، ولا يرتبط إلا شكرًا على الصنائع فيجود ظنًا منه أن الناس كذلك، قال: ﴿مناع﴾ أي كثير المنع شديده ﴿للخير﴾ أي كل خير من المال والإيمان وغيرهما من نفسه ومن غيره من الدين والدنيا - إلى غير ذلك.
ولما كان من يفعل هذه المخازي من الناس ويقتصر في الهمز والنم على الواقع، وفي المنع على ما له منعه - لئيمًا، بين أنه لا يقنع بذلك، بل زاد عليه ببذل الجهد فيما يصير به ألأم فقال: ﴿معتد﴾ أي ثابت التجاوز للحدود في كل ذلك ﴿أثيم *﴾ أي مبالغ في ارتكاب ما يوجب الإثم فيترك الطيبات ويأخذ الخبائث ويرغب في المعاصي ويتطلبها، ويدع الطاعات ويزهد فيها.
[ ٢٠ / ٣٠١ ]