ولما كان التقدير: فقال لهم رسول الله ﷺ امتثالًا لأمرنا ذلك، فلم يتمنوه في الوقت الحاضر، تصديقًا منا لنبوته وتعجيزًا وتحقيقًا لمعجزات رسالته، دل على هذا المقدر بما عطف عليه من قوله
[ ٢٠ / ٥٨ ]
الدال قطعًا على صدقه بتصديقهم له بالكف عما أخبر أنهم لا يفعلونه: ﴿ولا يتمنونه﴾ أي في المستقبل، واكتفى بهذا في التعبير بلا لأن المذكور من دعواهم هنا أنهم أولياء لا كل الأولياء فهي دون دعوى الاختصاص بالآخرة، وأيضًا الولاية للتوسل إلى الجنة، ولا يلزم منها الاختصاص بالنعمة بدليل أن الدنيا ليست خالصة للأولياء المحقق لهم الولاية، بل البر والفاجر مشتركون فيها. ولما أخبر بعدم تمنيهم، وسع لهم المجال تحقيقًا للمراد فقال: ﴿أبدًا﴾ وعرف أن سببه معرفتهم بأنهم أعداء الله فقال: ﴿بما قدمت﴾ ولما كان أكثر الأفعال باليد، نسب الكل إليها لأنها صارت عبارة عن القدرة فقال: ﴿أيديهم﴾ أي من المعاصي التي أحاطت بهم فلم تدع لهم حظًا في الآخرة بعلمهم.
ولما كان التقدير تسببًا عن هذا: لئلا يقولوا: سلمنا جميع ما قيل في الظالمين لكنا لسنا منهم فالله عليم بهم في أفعالهم ونياتهم، عطف عليه قوله معلقًا بالوصف تعميمًا وإعلامًا بأن وصف ما قدموا من الظلم ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلمًا ﴿عليم﴾ أي بالغ العلم محيط بهم - هكذا كان الأصل، ولكنه قال:
[ ٢٠ / ٥٩ ]
﴿بالظالمين *﴾ تعميمًا وتعليقًا بالوصف لا بالذات، فالمعنى أنه عالم بأصحاب هذا الوصف الراسخين فيه منهم ومن غيرهم فهو يجازيهم على ظلمهم وهم يعلمون ذلك، وأعظم مصدق الله - ومن أصدق من الله قيلًا - في هذا أنهم ما قوتلوا قط إلا أرزوا إلى حصونهم وقراهم كما مر في سورة الحشر، فدل ذلك على أنهم أحرص على الحياة الدنيا من الذين أشركوا كما مر في سورة البقرة فإنهم عالمون بأنهم يصيرون إلى النار، والعرب يظنون أنهم لا يبعثون فهم لا يخافون ما بعد الموت وهم شجعان يقدمون على الموت كما قال عنترة بن شداد العبسي:
بكرت تخوفني المنون كأنني أصبحت عن عرض الحتوف بمعزل
فأجبتها أن المنية منهل لا بد أن أسقى بذاك المنهل
فافني حياك لا أبا لك واعلمي أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
ولما كان عدم تمنيهم علم من أعلام نبوته ﷺ لموافقته ما أخبر به، وكان ذلك فعل من يعتقد أن التمني يقدمه عن أجله وعدمه يؤخره، فصاروا بين التكذيب بما عندهم ونهاية البلادة، أمره ﷺ بتنبيههم على بلادتهم تبكيتًا لهم فقال: ﴿قل﴾ وأكد إعلامًا لهم بأنه يلزم من فعلهم هذا إنكار الموت الذي لا ينكره
[ ٢٠ / ٦٠ ]
أحد فقال: ﴿إن الموت﴾ وزاد في التقريع والتوبيخ بقوله: ﴿الذي تفرون منه﴾ أي بالكف عن التمني الذي هو أيسر ما يكون مع أنه يوصلكم إلى تكذيب من أنتم جاهدون في تكذيبه، وأكد وقوعه بهم لأن عملهم عمل من هو منكر له، وربطه بالفاء جعلًا لفرارهم كالسبب له، فإن الجبن من أسباب الموت مع ما يكسب من العار كما قال: «إن الجبان حتفه من فوقه» أي هو غالب عليه غلبة العالي على السافل فقال: ﴿فإنه ملاقيكم﴾ أي مدرككم في كل وجه سلكتموه بالظاهر أو الباطن.
ولما كان الحبس في البرزخ أمرًا - مع أنه لا بد منه - مهولًا، نبه عليه وعلى طوله بأداة التراخي فقال: ﴿ثم تردون﴾ ونبه بالبناء للمفعول على القهر منه سبحانه والصغار منهم وأنه عنده في غاية السهولة ﴿إلى عالم الغيب﴾ وهو كل ما غاب عن العباد فهو مخبر عن أخلاقكم عن علم. ولما كان بعض الفلاسفة يقر بعلمه تعالى بالكليات، وينكر علمه بالجزئيات قال: ﴿والشهادة﴾ وهي كل ما ظهر وتشخص ولو لواحد من الخلق قبل كونه وبعد كونه. ولما كان التوقيف على الأعمال فظيعًا مرجفًا، قال مسببًا عن الرد: ﴿فينبئكم﴾ أي يخبركم إخبارًا عظيمًا مستقصى مستوفى ﴿بما كنتم﴾ أي بما هو لكم كالجبلة
[ ٢٠ / ٦١ ]
﴿تعملون *﴾ أي بكل جزء منه مما برز إلى الخارج ومما كان في جبلاتكم ولو لقيتم لعلمتموه ليجازيكم عليه.
ولما قبح سبحانه المخالقة بين القول والفعل وصور صاحبها بصورة الحمار على الهيئة السابقة، وحذر من ذلك بما هيأ به العاقل للإجابة إلى دوام الطاعة بعد أن بين أن جميع الكائنات مقرة بشمول ملكه بما لها من التسبيح بألسنة الأحوال، والقيام في مراداته بغاية الامتثال، فكان العاقل جديرًا بالمبادرة إلى غاية التسبيح بلسان المقال، وختم بالتحذير من الإخبار يوم الجمع الأعظم بجميع الأعمال، قال على طريق الاستنتاج مما مضى من الترغيب والترهيب، نادبًا لهم - ليكونوا أولياء الله - إلى التزكية المذكورة التي هي ثمرة الرسالة بما حاصله الإقبال بالكلية على الله والإعراض بالكلية عن الدنيا ليجمع المكلف بين التحلي بالمزايا والتخلي عن الدنايا، فخص من المزايا أعظم تسبيح يفعله العاقل في أيام الأسبوع وهو الإسراع بالاجتماع العظيم في يوم الجمعة الذي يناظر الاجتماع لإجابة المنادي في يوم الجمع الأكبر، ثم الإقبال الأعظم بفعل صلاة الجمعة التي هي سر اليوم الذي ضيعه اليهود واستبدلوا به ما كان سبب تعذيبهم بعذاب لم يعذب به أحد من العالمين كما جعل نتيجة
[ ٢٠ / ٦٢ ]
السورة الماضية النداء بالإرشاد إلى الإيمان والجهاد الموجب للأمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بألسنتهم بالإيمان وألهبهم بأداة البعد - المشيرة إلى احتياجهم إلى التزكية - إلى المبادرة إلى الإقبال على ما يتعقب ذلك من الأوامر ﴿إذا نودي﴾ أي من أي مناد كان من أهل النداء ﴿للصلاة﴾ أي لأجل الحضور إليها وإليه عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.
ولما كانت الإجابة يكفي في إيجابها النداء في الوقت المعروف للنداء ولا يشترط لها استغراق النداء لجميع اليوم أتى بالجار فقال: ﴿من يوم الجمعة﴾ أي اليوم الذي عرض على من قبلنا فأبوه فكانوا كمثل الحمار يحمل أسفارًا وادخره الله لنا ووفقنا لقبوله، فكانوا لنا تبعًا مع تأخرنا عنهم في الزمان، سمي بذلك لوجوب الاجتماع فيه للصلاة، فعلة بالسكون ويضم اسم للمفعول كالضحكة للمضحوك منه، فإن فتح ميمه كان بمعنى الوقت الجامع كالضحكة للكثير الضحك، ومن جمعه أن فيه اجتمع خلق آدم ﵊ فاجتمع بخلقه جميع الخلق، وهو مذكر بيوم البعث والجمع الذي يقع فيه الإنباء بالأعمال، وتظهر فيه ظهورًا بينًا تامًا الجلال والجمال ﴿يوم يناد المناد من مكان قريب﴾ [ق: ٤١] وفيه تقوم الساعة، روى مالك عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ: «
[ ٢٠ / ٦٣ ]
خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم ﵊ وفيه أهبط وفيه مات وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيحة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس مشفقًا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه» وفي آخر الحديث أن عبد الله بن سلام ﵁ قال: إنها آخر ساعة يوم الجمعة، وأول الصلاة بما هو أعم من فعلها وانتظارها لقول النبي ﷺ «من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها» وكان النداء في زمن النبي ﷺ عند باب المسجد إذا صعد ﷺ على المنبر، فإذا نزل بعد الخطبة أقيمت الصلاة، وكذا في زمن أبي بكر وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس وتباعدت المنازل وقلت الهمم زاد مؤذنًا آخر على داره التي تسمى الزوراء، فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن ثانيًا الأذان الذي كان على زمن النبي ﷺ، فإذا نزل من المنبر أقيمت الصلاة، ولم يعب أحد على عثمان زيادة الأذان الأول لعلمهم أنه من السنة بما جعل إليه النبي ﷺ حين قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» .
[ ٢٠ / ٦٤ ]
ولما كان المراد إيجاب المعنى جزمًا من غير تردد مع قطع كل علاقة بلا التفات إلى شيء من غير ما عذر الشارع به، عبر عنه بالسعي، وهو معنى قول الحسن أنه السعي بالنية لا بالقدم، فقال: ﴿فاسعوا﴾ أي لتكونوا أولياء الله ولا تهاونوا في ذلك لتكونوا أعداءه كاليهود ﴿إلى ذكر الله﴾ أي الخطبة والصلاة المذكرة بالملك الأعظم الذي من انقطع عن خدمته هلك، هذا المراد بالسعي لا حقيقة بل هي منهي عنها كما قال ﷺ:
«إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» .
ولما أمر بالمبادرة إلى تجارة الآخرة، وكان طلب الأرباح لكونها حاضرة أعظم مانع عن أمور الآخرة لكونها غايته، وكان البيع أجل ذلك لتعين الفائدة فيه ولكونه أكثر ما يشتغل به أهل الأسواق لكثرة الوافدين إلى الأمصار يوم الجمعة من الحواضر واجتماعهم للتجارة عند تعالي النهار، قال ناهيًا عن تجارة الدنيا وكل ما يعوق عن الجمعة معبرًا به عنها لأنه أعظمها: ﴿وذروا البيع﴾ أي اتركوه ولو على أقبح حالاته وأذلها وأحقرها، فأفاد النهي عن غيره من باب الأولى، ووقت التحريم من الزوال إلى فراغ الصلاة، فإن خالف وباع صح العقد مع عصيانه، فإن النهي ليس
[ ٢٠ / ٦٥ ]
لعينه ولا لما هو داخل فيه ولا لما هو خارج ولازم له بل لأمر مقارن بطريق الاتفاق، وهو ما هو فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب والوضوء بالماء المغصوب.
ولما أمر بما هو شاق على النفوس معبرًا بالفعل المريض لفظًا ومعنى، رغب فيه بقوله: ﴿ذلكم﴾ أي الأمر العالي الرتبة من فعل السعي وترك الاشتغال بالدنيا ﴿خير لكم﴾ لأن الذي أمركم به له الأمر كله وهو يريد تطهيركم في أديانكم وأبدانكم وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم، وألهب إلى ذلك وزاد في الحث عليه بقوله: ﴿إن كنتم﴾ أي بما هو لكم كالجبلة ﴿تعلمون *﴾ أي يتجدد لكم علم في يوم من الأيام فأنتم ترون ذلك خيرًا، فإذا علمتموه خيرًا أقبلتم عليه فكان ذلك لكم خيرًا، وصلاة الجمعة فرض عين على كل من جمع البلوغ والعقل والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر مما ذكره الفقهاء، وإنما عبر عنها بهذا إشارة إلى أن عاقلًا لا يسعه أن يترك ما يعلم أنه أعلى وجوه الخير، وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة فإذا حضر وصلى مع الإمام سقط عنه فرض من الظهر ولا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر، فإنه إذا حضر يكمل به العدد.
[ ٢٠ / ٦٦ ]