ولما كان هذا داعيًا إلى السؤال عن الأمر الذي فسقوا به، قال مبينًا له: ﴿هم﴾ أي خاصة بواطنهم ﴿الذين يقولون﴾ أي أوجدوا هذا القول ولا يزالون يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن شهود التقدير غير محققين بتصريف الأحكام، فأنطقهم ما خامر قلوبهم من تمني إطفاء نور الله فتواصوا فيما بينهم بقولهم: ﴿لا تنفقوا﴾ أيها المخلصون في النصرة ﴿على من﴾ أي الذين ﴿عند رسول الله﴾ أي الملك المحيط بكل شيء، وهم فقراء المهاجرين، وكأنهم عبروا بذلك وهم لا يعتقدونه تهكمًا وإشارة إلى أنه لو كان رسوله
[ ٢٠ / ٨٦ ]
وهو الغنى المطلق لأغنى أصحابه ولم يحوجهم إلى أن ينفق الناس عليهم، وما درى الأغبياء أن ذلك امتحان منه سبحانه لعباده - فسبحان من يضل من يشاء - حتى يكون كلامه أبعد شيء عن الصواب بحيث يعجب العاقل كيف يصدر ذلك من أحد، أو أن هذه ليست عبارتهم وهو الظاهر، وعبر سبحانه عنهم بذلك إشارة إلى أن كلامهم يؤول إلى إرادة ضر من الله معه توقيفًا على كفرهم وتنبيهًا على أن من أرسل رسولًا لا يكله إلى أحد بل يكفيه جميع ما يهمه من غير افتقار إلى شيء أصلًا، فقد أرسل سبحانه إليه ﷺ بمفاتيح خزائن الأرض فأباها وما كفاهم هذا الجنون حتى زادوه ما دل على أنهم ظنوا أن أبواب الرزق تغلق إذا امتنع المنفقون من الناس عن إنفاقهم، وعبروا بحرف غاية ليكون لما بعده حكم ما قبله فقالوا: ﴿حتى ينفضوا﴾ أي يتفرقوا تفرقًا قبيحًا فيه كسر فيذهب أحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له قبل ذلك، قال الحرالي: «حتى» كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى «إلى»، وقال أهل العربية: لا يجر بها إلى آخر أو متصل بالآخر نحو الفجر في ﴿حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥] وحتى آخر الليل، ولا تقولوا: حتى نصف الليل، وما درى الأجلاف أنهم لو فعلوا ذلك
[ ٢٠ / ٨٧ ]
أتاح الله غيرهم للانفاق، أو أمر رسوله ﷺ فدعا في الشيء اليسير فصار كثيرًا، أو كان بحيث لا ينفد، أو أعطى كلًاّ يسيرًا من طعام على كيفية لا تنفد معها كتمر أبي هريرة وشعير عائشة وعكة أم أيمن ﵃ وغير ذلك كما روي ذلك غير مرة، ولكن ليس لمن يضل الله من هاد، ولذلك عبر في الرد عليهم بقوله: ﴿ولله﴾ أي قالوا ذلك واستمروا على تجديد قوله والحال أن للملك الذي لا أمر لأحد معه فهو الآمر الناهي ﴿خزائن السماوات﴾ أي كلها ﴿والأرض﴾ كذلك من الأشياء المعدومة الداخلة تحت مقدرة «إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون» ومن الأشياء التي أوجدها فهو يعطي من يشاء منها ما يشاء حتى من أيديهم، لا يقدر أحد على منع شيء من ذلك لا مما في يده ولا مما في يد غيره، ونبه على سوء غباوتهم وأنهم تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن رتبة البهائم كما قال بعضهم: إن كان محمد صادقًا فنحن شر من البهائم، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿ولكن المنافقين﴾ أي العريقين في وصف النفاق.
ولما كان ما يساق إلى الخلق من الأرزاق فيظن كثير منهم أنهم حصلوه بقوتهم، عبر بالفقه الأخص من العلم فقال: ﴿لا يفقهون *﴾ أي
[ ٢٠ / ٨٨ ]
لا يتجدد لهم فهم أصلًا لأن البهائم إذا رأت شيئًا ينفعها يومًا ما في مكان طلبته مرة أخرى، وهؤلاء رأوا غير مرة ما أخرج الله من خوارق البركات على يد رسول الله ﷺ فلم ينفعهم ذلك، فمن رأى أن رزقه بيد الخلق فألهاه ذلك عن الله حتى ضيع حقوقه وداهن في دينه فقد برئ من القرآن، ودل على عدم فقههم بقوله تعالى: ﴿يقولون﴾ أي يوجدون هذا القول ويجددونه مؤكدين له لاستشعارهم بأن أكثر قومه ينكره: ﴿لئن رجعنا﴾ أي نحن أيتها العصابة المنافقة من غزاتنا هذه - التي قد رأوا فيها من نصرة النبي ﷺ ما يعجز الوصف وهي غزوة بني المصطلق حي من هذيل بالمريسيع وهو ماء من مياههم من ناحية قديد إلى الساحل وفيها تكلم ابن أبي بالإفك وأشاعه - ﴿إلى المدينة﴾ ودلوا على تصميمهم على عدم المساكنة بقولهم: ﴿ليخرجن الأعز﴾ يعنون أنفسهم ﴿منها الأذل﴾ وهم كاذبون في هذا، لكنهم تصوروا لشدة غباوتهم أن العزة لهم وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين ﴿ولله﴾ أي والحال أن كل من له نوع بصيرة يعلم أن للملك الأعلى الذي له وحده عز الإلهية ﴿العزة﴾ كلها، فهو قهار لمن دونه وكل ما عداه دونه.
[ ٢٠ / ٨٩ ]
ولما حصر العزة بما دل على ذلك من تقديم المعمول، أخبر أنه يعطي منها من أراد وأحقهم بذلك من أطاعه فترجم ذلك بقوله: ﴿ولرسوله﴾ لأن عزته من عزته بعز النبوة والرسالة وإظهار الله دينه على الدين كله، وكذلك أيضًا أن العزة لمن أطاع الرسول بقوله: ﴿وللمؤمنين﴾ أي الذين صار الإيمان لهم وصفًا راسخًا لأن عزتهم بعزة الولاية، ونصر الله إياهم عزة لرسولهم ﷺ، ومن تعزز بالله لم يلحقه ذل.
ولما كان جهلهم في هذا أشد لكثرة ما رأوا من نصرة الله لرسوله ﷺ ومن تابعه ﵃ وإعلائهم على كل من ناواهم، قال منبهًا على ذلك: ﴿ولكن المنافقين﴾ أي الذي استحكم فيهم مرض القلوب.
ولما كانت الدلائل على عزة الله لا تخفى على أحد لما تحقق من قهره للملوك وغيرهم بالموت الذي لم يقدر أحد على الخلاص منه ولا المنازعة فيه، ومن المنع من أكثر المرادات، ومن نصر الرسول وأتباعهم بإهلاك أعدائهم بأنواع الهلاك، وبأنه سبحانه ما قال شيئًا إلا تم ولا قالت الرسل شيئًا إلا صدقهم فيه، ختم الآية بالعلم الأعم من الفقه فقال: ﴿لا يعلمون *﴾ أي لا لأحد لهم علم الآن، ولا يتجدد
[ ٢٠ / ٩٠ ]
في حين من الأحيان، فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف، وروي أنه لما نزلت هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول الذي نزلت بسببه إلى أبيه، وذلك في غزوة المريسيع لبني المصطلق فأخذ بزمام ناقة أبيه وقال: أنت والله الذليل، ورسول الله ﷺ العزيز، ولما دنوا من المدينة الشريف جر سيفه وأتى أباه فأخذ بزمام ناقته. وزجرها إلى ورائها وقال: إياك وراءك والله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله ﷺ ولئن لم تقر بأن رسول الله ﷺ الأعز وأنت الأذل لأضربن عنقك، قال: أفاعل أنت؟ قال: نعم، قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وشكا ولده إلى رسول الله ﷺ فأمره أن يدعه يدخل المدينة، فأطلق فدخل.
[ ٢٠ / ٩١ ]