ولما نزع سبحانه أموال الفيء وما كانت عليه في الجاهلية، وبين مصرف الفيء من القرى، وتهدد في المخالفة في ذلك لصعوبته على النفوس، فكان ذلك جديرًا بالتقبل بعد أن أفهم أن أموال بني النضير لمن سلطه عليهم وهو رسوله ﷺ، وكان من المعلوم من حاله ﷺ الإيثار على نفسه والقناعة بما دون الكفاف، بين المصرف فيها بعد كفايته ﷺ لأن بيان ذلك هو المقصود الأعظم لكونه حاصلًا حاضرًا، الموطأ له بأموال أهل القرى، فقال مبدلًا من ﴿لله
[ ١٩ / ٤٣٤ ]
وللرسول﴾ وما عطف عليهما لأن من أعطى المهاجرين لهجرتهم وتجردهم من أموالهم وديارهم فإنما أعطاهم لوجه الله ووجه رسوله ﷺ، ولا يكون بدلًا من ﴿ذي القربى﴾ لئلا يختص بفقيرهم، أو يكون جوابًا لمن كأنه قال: قد سمعنا وأطعنا فلمن يكون ما سلط الله ورسوله ﷺ من أموالهم؟ فقيل له: ﴿للفقراء﴾ أي الذي كان الإنسان منهم يعصب الحجر على بطنه من الجوع ويتخذ الحفرة في الشتاء لتقيه البرد، ما له دثار غيرها بعد أن كان له من الأموال ما يسعه ويفضل منه ما يصل به غيره، وإنما وصفهم بالفقر لأنهم كانوا عند نزولها كذلك، ثم خصص بالوصف فقال: ﴿المهاجرين﴾ ولما كانت الهجرة قد تطلق على من هجر أهل الكفر من غير مفارقة الوطن فقال: ﴿الذين أخرجوا﴾ وبناه للمفعول لأن المنكئ الإخراج، لا كونه من مخرج معين ﴿من ديارهم﴾ ولما كان الإخراج هنا مضمنًا معنى المنع، واختبر التعبير به إشارة إلى أن المال السترة للإنسان لأنه ظرف له، قال: ﴿وأموالهم﴾ .
[ ١٩ / ٤٣٥ ]
ولما كان غلب الدنيا من النقائص، بين أنه إذا كان من الله لم يكن كذلك، وأنه لا يكون قادحًا في الإخلاص، وأن أمر بني النضير إنما يسر تحقيقًا لرجائهم فقال: ﴿يبتغون﴾ أي أخرجوا حال كونهم يطلبون على وجه الاجتهاد. وبين أنه لا يجب عليه شيء لأحد بقوله تعالى: ﴿فضلًا من الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له لأنه المختص بجميع صفات الكمال من الدنيا والدين والآخرة فيغنيهم بفضله عمن سواه ﴿ورضوانًا﴾ يوفقهم لما يرضيه عنهم ولا يجعل رغبتهم في العوض منه قادحًا في الإخلاص فيوصلهم إلى دار كرامته.
ولما وصفهم بتعليق بواطنهم به سبحانه وقطعها بالرضا بالإخراج عمن أو عما سواه، وصفهم ببذل ظواهرهم له فقال: ﴿وينصرون﴾ أي على سبيل التجديد في كل وقت والاستمرار ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم المجيد ﴿ورسوله﴾ الذي عظمته من عظمته بأنفسهم وأموالهم ليضمحل حزب الشيطان. ولما بان ما له بهم سبحانه من العناية ترقب السامع من مدحهم ما يليق بهذا الإحبار.
فقال مستأنفًا ما هو كالعلة لتخصيصهم: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة في الأخلاق الفاضلة ﴿هم﴾
[ ١٩ / ٤٣٦ ]
أي خاصة لا غيرهم ﴿الصادقون﴾ العريقون في هذا الوصف لأن مهاجرتهم لما ذكر وتركهم لما وصف دل على كمال صدقهم فيما ادعوه من الإيمان بالله ورسوله ﷺ حيث نابذوا من عاداهما وهو القريب الصافي نسبًا ودارًا وأولوا أولياءهما من كانوا وإن بعدت دارهم وشط مزارهم، وهذا يدل على أن مبنى الدين على إقامة البينات بالثبات عن الابتلاءات على أن العون قد يأتي على قدر البلاء لأن الله تعالى قد خص المهاجرين مما أذن فيه من أموال بني النضير.
ولما مدح المهاجرين وأعطاهم فطابت نفوس الأنصار بذلك وكانوا في كل حال معه ﷺ كالميت بين يدي الغاسل، مهما شاء فعل، ومهما أراد منهم صار إليه ووصل، أتبعه مدحهم جبرًا لهم وشكرًا لصنيعهم فقال عاطفًا على مجموع القصة: ﴿والذين تبوؤ﴾ أي جعلوا بغاية جهدهم ﴿الدار﴾ الكاملة في الدور وهي التي أعدها الله في الأزل للهجرة وهيأها للنصرة وجعلها دائرة على جميع البلدان محيطة بها غالبة عليها محل إقامتهم وملابستهم وصحبتهم وملازمتهم لكونها أهلًا لأن يعود إليها من خرج منها فلا يهجرها أصلًا، فهي محل مناه وليست
[ ١٩ / ٤٣٧ ]
موضعًا يهاجر منه لبركتها أو خيرها.
ولما كان المراد الإبلاغ في مدحهم، قال مضمنًا «تبوؤا» معنى لازم: ﴿والإيمان﴾ أي ولابسوه وصحبوه وخصوه بالصحبة ولزموه لزومًا هو كلزوم المنزل الذي لا غنى لنازله عنه، ويجوز أن يكون الإيمان وصفًا للدار بإعادة العاطف للإشارة إلى التمكن في كل من الوصفين فيكون كأنه قيل: تبوؤا المدينة التي هي الدار وهي الإيمان لأنها محل تمكن الإيمان وانتشاره وظهوره في سائر البلدان فلشدة ملابستها له سميت به، ويجوز أن يكون المعنى: ومحل الإيمان إشارة إلى أنهم ما أقاموا بها لأجل أن أموالهم بها بل محبة في الإيمان علمًا منهم بأنه لا يتم بدره، ويكمل شرفه وقدره، وتنشر أعلامه ويقوى ذكره إلا بها، ولولا ذلك لهجروها وهاجروا إلى النبي ﷺ في أي مكان حله، فهو مدح لهم بأنه متصفون بالهجرة بالقوة مع اتصافهم بالنصرة بالفعل.
ولما كان انفرادهم بإقامة الإيمان في الدار المذكورة قبل قدوم المهاجرين عليهم مدحًا تامًا، قال مادحًا لهم بذلك دالًا بإثبات الجارّ على أنهم لم يستغرقوا زمان القبل من حين إرسال الرسول ﷺ
[ ١٩ / ٤٣٨ ]
بالأمرين: ﴿من قبلهم﴾ أي قبل هجرة المهاجرين لأن وصفهم بالهجرة لم يكن إلا بعد إيجادها فالأنصار جمعوا التمكن في الإيمان إلى التمكن في الدار من قبل أن يجمع المهاجرون بينهما بالهجرة.
ولما ابتدأ ذكرهم هذا الابتداء الجليل، أخبر عنهم بقوله: ﴿يحبون﴾ أي على سبيل التجديد والاستمرار، وقيل العطف على المهاجرين، وهذه حال فيكون هذا حكمًا بالمشاركة ﴿من هاجر﴾ وزادهم محبة فيهم وعطفًا عليهم بقوله: ﴿إليهم﴾ لأن القصد إلى الإنسان يوجب حقه عليه لأنه لولا كمال محبته له ما خصه بالقصد إليه، والدليل الشهودي على ما أخبر الله عنهم به من المحبة أنهم شاطروا المهاجرين في أموالهم وعرضوا عليهم أن يشاطروهم نساءهم على شدة غيرتهم، فأبى المهاجرون المشاطرة في النساء وقبلوا منهم الأموال.
ولما أخبرهم بالمحبة ورغبهم في إدامتها، عطف على هذا الخبر ما هو من ثمراته فقال: ﴿ولا يجدون﴾ أي أصلًا ﴿في صدورهم﴾ التي هي مساكن قلوبهم فتصدر منها أوامر القلوب فضلًا عن أن تنطق ألسنتهم. ولما كان المراد نفي الطلب منهم لما خص به المهاجري، وكان الحامل على طلب ذلك الحاجة، وكان كل أحد يكره أن ينسب
[ ١٩ / ٤٣٩ ]
إلى الحاجة وإن أخبر بها عن نفسه في وقت ما لغرض قال: ﴿حاجة﴾ موقعًا اسم السبب على المسبب ﴿مما أوتوا﴾ أي المهاجرون من الفيء وغيره من أموال بني النضير وغيرهم من أي مؤت كان فكيف إذا كان المؤتي هو الله ورسوله ﷺ، وإذا لم يجدوا حاجة تدعوهم إلى الطلب فلأن لا يجدوا حسدًا ولا غيظًا من باب الأولى، فهذه الآية من أعظم حاث على حسن الإخاء محذر من الحسد والاستياء. ولما أخبر عن تخليهم عن الرذائل أتبعه الإخبار بتحليهم بالفضائل فقال: ﴿ويؤثرون﴾ عظم ذلك بقصر الفعل فصار المعنى: يوقعون الأثرة وهي اختيار الأشياء الحسنة لغيرهم تخصيصًا لهم بها لا على أحبائهم مثلًا بل ﴿على أنفسهم﴾ فيبذلون لغيرهم ﴿كائنًا﴾ من كان ما في أيديهم، وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة من الرذائل لأن النفس إذا ظهرت كان القلب أطهر، وأكد ذلك بقوله: ﴿ولو كان﴾ أي كونًا هو في غاية المكنة ﴿بهم﴾ أي خاصة لا بالمؤثر ﴿خصاصة﴾ أي فقر وخلل في الأحوال وحاجة شديدة تحيط بهم من كل جانب، من خصائص البناء وهي فرجه.
ولما كان التقدير: فمن كان كذلك فهو من الصادقين: عطف عليه قوله: ﴿ومن﴾ ولما كان المقصود النزاهة عن الرذيلة من أي جهة كانت، وكان علاج الرذائل صعبًا جدًا، لا يطيقه الإنسان
[ ١٩ / ٤٤٠ ]
إلا بمعونة من الله شديدة، بنى للمفعول قوله: ﴿يوق شح نفسه﴾ أي يحصل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس، وقاية تحول بينه وبينها، فلا يكون مانعًا لما عنده، حريصًا على ما عند غيره حسدًا، قال ابن عمر ﵁: الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له، قال ﷺ: «اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» .
ولما كان النظر إلى التطهير من سفساف الأخلاق عظيمًا، سبب عنه إفهامًا لأنه لا يحصل ما سببه عنه بدونه قوله ﴿فأولئك﴾: أي العالو المنزلة ﴿هم﴾ أي خاصة لا غيرهم ﴿المفلحون *﴾ أي الكاملون في الفوز بكل مراد، قال القشيري: وتجرد القلب من الأعراض والأملاك صفة السادة والأكابر، ومن أسرته الأخطار وبقي في شح نفسه فهو في مصارفة معاملته ومطالبة الناس في استيفاء حظه، فليس له من مذاقات هذه الطريقة شيء.
وشرح الآية أن الأنصار كانوا لما قدم عليهم المهاجرون قسموا دورهم وأموالهم بينهم وبينهم، فلما أفاء الله على رسوله ﷺ أموال بني النضير خطب النبي ﷺ فذكر ما صنعوا بالمهاجرين من إنزالهم إياهم
[ ١٩ / ٤٤١ ]
وأثرتهم على أنفسهم، ثم قال «إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله عليّ من بني النضير»، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطتيهم وخرجوا من دياركم، فقال السعدان ﵄: بل يقسم بين المهاجرين خاصة ويكونون في دورنا كما كانوا، وقالت الأنصار: رضينا وسلمنا، وفي رواية أنهم قالوا: اقسم فيها هذه خاصة واقسم لهم من أموالنا ما شئت، فنزلت ﴿ويؤثرون على أنفسهم﴾ - الآية، وقال رسول الله ﷺ: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وقال أبو بكر الصديق ﵁: جزاكم الله خيرًا يا معشر الأنصار»، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال العنزي:
جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أنا أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت
فهم لعمري الحقيقون باسم إخوان الصفاء، وخلان المروءة والوفاء، والكرامة والاصطفاء، ورضي الله عنهم وعن تابعيهم من الكرام الخلفاء والسادة والحنفاء.
[ ١٩ / ٤٤٢ ]