ولما كان في رد قولهم على هذا الوجه مع الإقسام من غير استدلال إشارة إلى تأمل الكلام السابق بما اشتمل عليه من الأدلة التي منها ذلك البرهان البديهي، سبب عنه قوله فذلكة لما مضى من الأدلة وجمعًا لحديث جبريل ﵊ في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره والإسلام والإحسان: ﴿فآمنوا بالله﴾ أي الذي لا أظهر من أن له الإحاطة الكاملة بكل شيء وأنه لا كفؤ له ولا راد لأمره. ولما دعاه هذا إلى الإيمان به سبحانه عقلًا ونقلًا ذكرًا وفكرًا، ثنى بالإيمان بالرسل من الملائكة والبشر فقال: ﴿ورسوله﴾ أي كل من أرسله ولا سيما محمد ﷺ
[ ٢٠ / ١١٦ ]
بما ثبت من تصديقه بالمعجزات من أنه رسوله، ويلزم من الإيمان به الإيمان بمن أبلغه من الملائكة. ولما كانت تلك المعجزات موجبات للعلم كانت أحق الأشياء باسم التور فإن النور هو المظهر للأشياء بعد انحجابها برداء الظلام وكان أعظم تلك المعجزات وأحقها بذلك كتب الله المنزلة على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وأعظمها القرآن الذي هو مع إعجازه بيان لكل شيء، قال: ﴿والنور﴾ وعينه بقوله: ﴿الذي أنزلنا﴾ أي بما لنا من العظمة فكان معجزًا فكان بإعجازه ظاهرًا بنفسه مظهرًا لغيره، وهذا وإن كان هو الواقع لكن ذكر هذا الوصف صالح لشمول كل ما أوحاه الله ﷾ إلى رسله ﷺ، ومن المعلوم أن أعظمه القرآن المنزل على أشرف رسله ﷺ وعليهم أجمعين، فهو أحق ذلك باسم النور لما مضى من إعجازه، فمن آمن به أدخل الله قلبه من أنوار الفهوم والألطاف والسكينة ما يضيء الأقطار.
ولما كان التقدير: والله محاسبكم على ما قابلتم به إنعامه عليكم بذلك من إيمان وكفران، عطف عليه مرغبًا مرهبًا قوله: ﴿والله﴾ أي المحيط علمًا وقدرة، وقدم الجار لما تقدم غير مرة من مزيد التأكيد فقال: ﴿بما تعملون﴾ أي توقعون عمله في وقت من الأوقات
[ ٢٠ / ١١٧ ]
﴿خبير *﴾ أي بالغ العلم بباطنه وظاهره.
ولما أخبر بالبعث وأقسم عليه، وأشار إلى دليلة السابق، وسبب عنه ما ينجي في يومه، ذكر يومه وما يكون فيه ليحذر فقال متبعًا ما مضى من دعائم الإيمان دعامة اليوم الآخر واعظًا لمن يقول: يا ليت شعري ما حالي بعد ترحالي؟ وقامعًا لمن يقول: لا حال بعد الترحال، بالإعلام بأنها أحوال أي أحوال، تشيب الأطفال، وتقصم ظهور الرجال، بل تهد شم الجبال: ﴿يوم﴾ أي تبعثون في يوم ﴿يجمعكم﴾ أي أيها الثقلان. ولما كان الوقت المؤرخ به فعل من الأفعال إنما يذكر لأجل ما وقع فيه، صار كأنه علة لذلك الفعل فقال تعالى: ﴿ليوم الجمع﴾ لأجل ما يقع في ذلك اليوم الذي يجمع فيه أهل السماوات وأهل الأرض من الحساب والجزاء الذي يكون فوزًا لناس فيكونون غابنين، ويكون خيبة لناس فيكونون مغبونين، وكل منهم يطلب أن يكون غابنًا.
ولما كان هذا المقصد أمرًا عظيمًا مقطعًا ذكره الأكباد، قال تعالى مشيرًا إلى هوله بأداة البعد مستأنفًا: ﴿ذلك﴾ أي اليوم العظيم المكانة الجليل الأوصاف ﴿يوم التغابن﴾ الذي لا تغابن في الحقيقة غيره لعظمه ودوامه، والغبن: ظهور النقصان للحظ الناشىء عن خفاء لأنه يجمع
[ ٢٠ / ١١٨ ]
فيه الأولون والآخرون وسائر الخلق أجمعون، ويكون فيه السمع والإبصار على غاية لا توصف بحيث إن جميع ما يقع فيه يمكن أن يطلع عليه كل أحد من أهل ذلك الجمع، فإذا فضح أحد افتضح عند الكل، وما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده نم النار لو أساء ليزداد شكرًا، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة فيغبن كل كافر بتركه الإيمان وكل مؤمن بتقصيره في الإحسان، ومادة «غبن» تدور على الخفاء من مغابن الجسد وهي ما يخفى عن العين، وسمي الغبن في البيع - لخفائه عن صاحبه، فالكافر والظالم يظن أنه غبن المؤمن بنعيم الدنيا الذي استأثر به الكافر، وبالنقص الذي أدخله الظالم على المظلوم، وقد غبنهما المؤمن والمظلوم على الحقيقة بنعيم الآخرة وكمال جزائها العظيم الدائم، فالغبن فيه لا يشبهه غبن، فقد بعث ذكر هذا اليوم على هذا الوجه على التقوى أتم بعث، وهي الحاملة على اتباع الأوامر واجتناب النواهي لئلا يحصل الغبن بفوات النعيم أو نقصانه، ويحصل بعده للكافر العذاب الأليم.
ولما كان كل أحد يحسب أن يكون في النور، ويكره أن يكون في الظلام، ويحب أن يكون غابنًا، ويكره أن يكون مغبونًا، أرشدت
[ ٢٠ / ١١٩ ]
سوابق الكلام ولواحقه إلى أن التقدير، فمن آمن كان في النور، وكان في ذلك اليوم برجحان ميزانه من الغابنين، ومن كفر كان في الظلام، وكان في ذلك اليوم بنقصان ميزانه من المغبونين، فعطف عليه قوله بيانًا لآثار ذلك الغبن، وتفضيلًا له بإصلاح الحامل على التقوى وهو أمور منها القوة العلمية: ﴿ومن يؤمن﴾ أي يوقع الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار ﴿بالله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفؤ له. ولما ذكر الرأس وهو إصلاح القوة العلمية، أتبعه البدن وهو إصلاح القوة العملية فقال: ﴿ويعمل﴾ تصديقًا لإيمانه ﴿صالحًا﴾ أي عملًا هو مما ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له في جلب المنافع ودفع المضار.
ولما كان الدين مع سهولته متينًا لن يشاده أحد إلا غلبه، قال حاملًا على التقوى بالوعد بدفع المضار، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى أن زمان التكفير والدخول متفاوت بحسب طول الحساب وقصره، كلما فرغ واحد من الحساب دخل الجنة إن كان من أهلها: ﴿يكفر﴾ أي الله - على قراءة الجماعة بأن يستر سترًا عظيمًا ﴿عنه سيئاته﴾ التي غلبه عليها نقصان الطبع، وأتبع ذلك الحامل الآخر وهو الترجئة يجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف والرجاء
[ ٢٠ / ١٢٠ ]
والرهبة والرغبة والنذارة والبشارة فقال: ﴿ويدخله﴾ أي رحمة له وإكرامًا وفضلًا ﴿جنّات﴾ أي بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها، ورياض مديدة منوعة الأزاهير عطرة النشر تبهج رائيها، وأشار إلى دوام ريها بقوله: ﴿تجري﴾ ولما كان عموم الماء لجميع الأرض غير ممدوح، بين أنه في خلالها على أحسن الأحوال فقال: ﴿من تحتها﴾ وبين عظمه بقوله: ﴿الأنهار﴾ ولما كان النزوح أو توقعه عن مثل هذا محزنًا، أزال توقع ذلك بقوله جامعًا لئلا يظن الخلود لواحد بعينه تصريحًا بأن من معناها الجمع وأن كل من تناولته مستوون في الخلود: ﴿خالدين فيها﴾ وأكد بقوله: ﴿أبدًا﴾ والتقدير على قراءة نافع وابن عامر بالنون: نفعل التكفير والإدخال إلى هذا النعيم بما لنا من العظمة فإنه لا يقدر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء إلا الله سبحانه، ولا تكون هذه القدرة تامة إلا لمن كان عظيمًا لا راد لأمره أصلًا.
ولما كان هذا أمرًا باهرًا جالبًا بنعيمه سرور القلب، أشار إلى عظمته بما يجلب سرور القلب بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي جدًا من الغفران والإكرام، لا غيره ﴿الفوز العظيم *﴾ لأنه جامع لجميع
[ ٢٠ / ١٢١ ]
المصالح مع دفع المضار وجلب المسار.
ولما ذكر الفائز بلزومه التقوى ترغيبًا، أتبعه الخائب بسبب إفساد القوتين الحاملتين على التقوى: العلمية والعملية ترهيبًا، فقال بادئًا بالعلمية: ﴿والذين كفروا﴾ أي غطوا أدلة ذلك اليوم فكانوا في الظلام. ولما ذكر إفسادهم القوة العلمية، أتبعه العملية فقال: ﴿وكذبوا﴾ أي أوقعوا جميع التغطية وجميع التكذيب ﴿بآياتنا﴾ بسببها مع ما لها من العظمة بإضافتها إلينا، فلم يعملوا شيئًا.
ولما بين إفسادهم للقوتين، توعدهم بالمضار فقال معريًا من الفاء في جانبي الأشقياء والسعداء طرحًا للأسباب، لأن نظر هذه السورة إلى الجبلات التي لا مدخل فيها لغيره أكثر بقوله: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ [التغابن: ٢] فإن ذلك أجدر بالخوف منه ليكون أجدر بالبعد عما يدل على الجبلة الفاسدة من الأعمال السيئة: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿أصحاب النار﴾ ولما كان السجن إذا رجي الخلاص منه قلل من خوف داخله، وكان التعبير بالصحبة مشعرًا بالدوام المقطع للقلوب لأنه مؤيس من الخلاص، أكده بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ وزاد في
[ ٢٠ / ١٢٢ ]
الإرهاب منها بقوله مشيرًا إلى مضار القلب بعد ذكر مضار القالب: ﴿وبئس المصير *﴾ أي جمعت المذام كلها الصيرورة إليها وبقعتها التي للصيرورة إليها، فكيف بكونها على وجه الإقامة زمنًا طويلًا فكيف إذا كان على وجه الخلود.
[ ٢٠ / ١٢٣ ]