ولما كان الأمر قد بلغ النهاية في الأحكام والمواعظ والترغيب لمن أطاع، فلم يبق إلا التهديد لمن عصى بما شوهد من المثلات وبالغ
[ ٢٠ / ١٦٤ ]
العقوبات، فإن من الناس البليد الذي لا يتعظ بما يرى، وكان التقدير: فكأي من ناس كانوا في غاية الضيق فأطاعوا أوامرنا فجعلناهم في غاية السعة بل جعلناهم ملوكًا، عطف عليه تزهيدًا في الرفاهية بأنها تطغى في الأغلب، وتهديدًا لأهل المعاصي قوله مفيدًا لكثرة القرى الخارجة عن الحد: ﴿وكأين من قرية﴾ أي مدينة كبيرة جامعة، عبر عن أهلها بها مبالغة ﴿عتت﴾ أي استكبرت وجاوزت الحد في عصيانها وطغيانها فأعرضت عنادًا ﴿عن أمر ربها﴾ أي الذي أحسن إليها ولا محسن إليها غيره بكثرة الرزق وطيب العيش واللطف في التربية والرحمة بعد الإيجاد والملك ﴿ورسله﴾ فلم يقبل منهم ما جاؤوها به عن الله، فإن طاعتهم من طاعة الله.
ولما كانت محاسبة مثل هؤلاء للإهلاك لأن الحساب هو ذكر الأعمال والمجازاة عليها بما يحق لكل منها، قال ملتفتًا إلى مقام التكلم في مظهر العظمة: ﴿فحاسبناها﴾ أي فتسبب عن عدم شكرهم للإحسان أن أحصينا أعمالها. ولما كان ذلك على وجه المناقشة على النقير والقطمير بالمجازاة على كل فعل بما يليق به قال: ﴿حسابًا شديدًا﴾ بمعناه المطابقي من ذكر الأعمال كلها والمجازاة عليها، وهذا هو
[ ٢٠ / ١٦٥ ]
المناقشة وهي أن العامل إذا أثر أثرًا بعمله هو كالنقش في الجامد أثر المجازي له فيه أثرًا بحسب عمله على سبيل الاستقصاء، وأما الحساب اليسير فهو عرض الأعمال فقط من غير جزاء على قبيحها فهو دلالة تضمن، وإنما شدد على هذه القرية لأن إعراضها كان كذلك بما نبه عليه تسميته عتوًا ﴿وعذبناها﴾ أي في الدنيا جزاء على ما أحصيناه من ذنوبها ﴿عذابًا نكرًا *﴾ أي شديد النكارة لأن العقل يحير في أمره لأنه لم ير مثله ولا قريبًا منه ليعتبره به، وأزال ذكر الكثرة شبهة أن يكون الإهلاك وقع اتفاقًا في وقت من الأوقات ﴿فذاقت﴾ بسبب ذلك بعد ما كان لها من الكثرة والقوة ﴿وبال﴾ أي وخامة وعقوبة وشدة وثقل وفساد ﴿أمرها﴾ أي في العتو وجميع ما كانت تأتمر فيه، مثله بالمرعى الوخيم الذي يمرض ويهلك. ولما كان كل مقهور إنما يسلي نفسه بانتظار الفرج ورجاء العاقبة، أيأس من ذلك مذكرًا للفعل إشارة إلى الشدة بقوله: ﴿وكان عاقبة﴾ أي آخر ومنتهى وعقيب ﴿أمرها﴾ أي في جميع عملها الذي كانت
[ ٢٠ / ١٦٦ ]
فيه ﴿خسرًا *﴾ أي نفس الخسر في الدارين، فكلما امتد الأمر وجدوه أمامهم فإن من زرع الشوك كما قال القشيري لا يجني الورد، ومن أضاع حق الله لا يطاع في حظ نفسه، ومن احترق بمخالفة أمر الله تعالى فليصبر على مقاساة عقوبة الله تعالى، ثم فسر الخسر أو استأنف الجواب لمن يقول: هل لها غير هذا في هذه الدار، بقوله: ﴿أعد الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿لهم﴾ بعد الموت وبعد البعث ﴿عذابًا شديدًا﴾ .
ولما تمت الأحكام ودلائلها، وأحكمت الآيات وفواصلها، والتهديدات وغوائلها، كانت فذلكتها وثمرة سياقها وموعظتها ما تسبب عن ذلك من قوله تعالى تنبيهًا على ما يحيي الحياة الطيبة وينجي في الدارين: ﴿فاتقوا الله﴾ أي الذي له الأمر كله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
ولما كان في تخليص المواعظ من الأحكام واستثمارها من فواصل هذا الكلام أمر عظيم هو من الرقة بمكان لا يبصره إلا ذوو الأفهام قال تعالى: ﴿يا أولي الألباب *﴾ أي العقول الصافية النافذة من الظواهر إلى البواطن ﴿الذين آمنوا﴾ أي خلصوا من دائرة الشرك وأوجدوا
[ ٢٠ / ١٦٧ ]
الإيمان حقيقة، ثم علل هذا الأمر بما أزال العذر فقال تنبيهًا على ما من علينا به من المراسلة فإن مراسلات فإن مراسلات الأكابر فخر فكيف بمراسلات الملوك فكيف بمراسلة ملك الملوك حثًا بذلك على شكره: ﴿قد أنزل الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿إليكم﴾ خاصة ﴿ذكرًا *﴾ أي كاملًا مذكورًا فيه غاية الشرف لكل من يقبله بل تشرفت الأرض كلها بنزوله ورفع عنها العذاب وعمها النور والصواب لأن فيه تبيان كل شيء، فمن استضاء بنوره اهتدى، ومن لجأ إلى برد أفنائه وصل من داء الجهل إلى شفائه.
[ ٢٠ / ١٦٨ ]