ولما وصفها بالفوران، بين سببه تمثيلًا لشدة اشتعالها عليهم فقال: ﴿تكاد تميز﴾ أي تقرب من أن ينفصل بعضها من
[ ٢٠ / ٢٣٤ ]
بعض كما يقال: يكاد فلان ينشق من غيظه وفلان غضب فطارت شقة منه في الأرض وشقة في السماء - كناية عن شدة الغضب ﴿من الغيظ﴾ أي عليهم، كأنه حذف إحدى التاءين إشارة إلى أنه يحصل منها افتراق واتصال على وجه من السرعة لا يكاد يدرك حق الإدراك، وذلك كله لغضب سيدها، وتأتي يوم القيامة تقاد إلى المحشر بألف زمام لكل زمام سبعون ألف ملك يقودونها به، وهي شدة الغيظ تقوى على الملائكة وتحمل على الناس فتقطع الأزمة جميعًا وتحطم أهل المحشر فلا يردها عنهم إلا النبي ﷺ يقابلها بنوره فترجع مع أن لكل ملك من القوة ما لو أمر به أن يقتلع الأرض وما عليها من الجبال ويصعد بها في الجو فعل من غير كلفة، وهذا كما أطفأها في الدنيا بنفخة كما رواه الجماعة إلا الترمذي وهذا لفظ أبي داود عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ - فذكر صلاته إلى أن قال: ثم نفخ في آخر سجوده. فقال: أف أف ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم وهم يستغفرون» وفي رواية النسائي أنه قال: قال ﷺ: «لقد أدنيت مني النار حتى جعلت ألفتها خشية أن تغشاكم» .
ولما ذكر سبحانه حالها، أتبعه حالهم في تعذيب القلب باعتقادهم
[ ٢٠ / ٢٣٥ ]
أنهم ظلمة على وجه، بين السبب في عذابهم زجرًا عنه فقال: ﴿كلما﴾ ولما كان المنكىء مجرد الإلقاء بني للمفعول دلالة على ذلك وعلى حقارتهم بسهولة إلقائهم قوله: ﴿ألقي فيها﴾ أي جهنم بدفع الزبانية بهم الذين هم أغيظ عليهم من النار ﴿فوج﴾ أي جماعة هم في غاية الإسراع موجفين مضطربي الأجواف من شدة السوق ﴿سألهم﴾ أي ذلك الفوج ﴿خزنتها﴾ أي النار سؤال توبيخ وتقريع وإرجاف.
ولما كان كأنه قيل: ما كان سؤالهم؟ قال: قالوا موبخين لهم مبكتين محتجين عليهم في استحقاقهم العذاب زيادة في عذابهم بتعذيب أرواحهم بعد تعذيب أشباحهم: ﴿ألم يأتكم﴾ أي في الدنيا ﴿نذير *﴾ أي يخوفكم هذا العقار ويذكركم بما حل بكم وبما حل ممن قبلكم من المثلاث، لتكذيبهم بالآيات، ويقرأ عليكم الكتب المنزلات ﴿قالوا بلى﴾ ولما طابق هذا الجواب فتوقع السامع إيضاحه. افصحوا بما أفهمه وشرحوه تأسفًا على أنفسهم مما حل بهم وتحسرًا فقالوا: ﴿قد جاءنا﴾ وأظهروا موضع الإضمار تأكيدًا وتنصيصًا فقالوا: ﴿نذير *﴾ أي مخوف بليغ التحذير ﴿فكذبنا﴾ أي فتسبب عن مجيئه أننا أوقعنا التكذيب بكل
[ ٢٠ / ٢٣٦ ]
ما قاله النذير ﴿وقلنا﴾ أي زيادة في التكذيب والنكاية له والعناد الذي حل شؤمه بنا: ﴿ما نزل الله﴾ أي الذي له الكمال كله عليكم ولا على غيركم، ولعل التعبير بالتفعيل إشارة إلى إنكارهم الفعل بالاختيار الملازم للتدريج - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وأعرقنا في النفي فقلنا: ﴿من شيء﴾ لا وحيًا ولا غيره، وما كفانا هذا الفجور حتى قلنا مؤكدين: ﴿إن﴾ أي ما.
ولما كان تكذيبهم برسول واحد تكذيبًا لجميع الرسل قالوا عنادًا: ﴿أنتم﴾ أي أيها النذر المذكورون في «نذير» المراد به الجنس، وفي خطاب الجمع إشارة إيضًا إلى أن جواب الكل للكل كان متحدًا مع افتراقهم في الزمان حتى كأنهم كانوا على ميعاد ﴿إلا في ضلال﴾ أي بعد عن الطريق وخطأ وعمى محيط بكم ﴿كبير *﴾ فبالغنا في التكذيب والسفه بالاستجهال والاستخفاف.
ولما حكى سبحانه ما قالوه للخزنة تحسرًا على أنفسهم حكى ما قالوه بعد ذلك فيما بينهم زيادة في التحزن ومقتًا لأنفسهم بأنفسهم فقال تعالى: ﴿وقالوا﴾ أي الكفرة في توبيخ أنفسهم: ﴿لو كنا﴾ أي بما هو لنا كالغريزة.
ولما كان السمع أعظم مدارك العقل الذي هو مدار التكليف قالوا: ﴿نسمع﴾ أي سماعًا ينفع بالقبول للحق والرد للباطل ﴿أو نعقل﴾ أي بما أدته إلينا حاسة السمع وغيرها عقلًا ينجي وإن
[ ٢٠ / ٢٣٧ ]
لم يكن سمع، وإنما قصروا الفعلين إشارة إلى أن ما كان لهم من السمع والعقل عدم لكونه لم يدفع عنهم هذا البلاء بالقبول من الرسل لما ذكروهم به من نصائح ربهم وشهادة الشواهد من الآيات البينات ﴿ما كنا﴾ أي كونا دائمًا ﴿في أصحاب السعير *﴾ أي في عداد من أعدت له النار التي هي في غاية الاتقاد والحر والتلهب والتوقد حتى كأن بها جنونًا، وحكم بخلودهم في صحبتها، وأعظم ما في هذا من العذاب بكونهم ألجئوا إلى أن يباشروا توبيخ أنفسهم ومقتها بأنفسهم أنه لا يقبل منهم خروجًا عن العادة في الدنيا من أن الإنسان إذا أظهر الخضوع باعترافه ولومه نفسه وإنصافه رحم وقبل، وفي الآية أعظم فضيلة للعقل، روى ابن المحبر في كتاب العقل والحارث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته، أما سمعتم قول الفجار لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير» .
ولما كان هذا الإقرار زائدًا في ضررهم، وإنما كان يكون نافعًا لهم لو قالوه في دار العمل وندموا عليه وأقلعوا عنه، سبب عنه قوله ضامًا - إلى ما تقدم من تعذيب أرواحهم بمقت الملائكة لهم ثم مقتهم
[ ٢٠ / ٢٣٨ ]
لأنفسهم - مقت الله لهم: ﴿فاعترفوا﴾ أي بالغوا جامعين إلى مقت الله وملائكته لهم مقتهم لأنفسهم في الاعتراف وهو الإقرار عن معرفة.
ولما كان الذي أوردهم المهالك هو الكفر الذي تفرعت عنه جميع المعاصي، أفرد فقال تعالى: ﴿بذنبهم﴾ أي في دار الجزاء كما كانوا يبالغون في التكذيب في دار العمل فلم يكن ينفعهم لفوات محله، أو أنه لم يجمع الذنب إشارة إلى أنهم كانوا كلهم في المبالغة في التكذيب على حد واحد، كما قال تعالى ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾ [الذاريات: ٥٣] أو أن الإفراد أشد في التحذير من كثير الذنوب وقليلها حقيرها وجليلها.
ولما كانوا قد أبلغوا في كلتي الدارين في إبعاد أنفسهم عن مواطن الرحمة وتسفيلها إلى حال النقمة أنتج ذلك وسبب قوله: ﴿فسحقًا﴾ أي بعدًا في جهة السفل وهو دعاء عليهم مستجاب ﴿لأصحاب﴾ وأظهر تنبيهًا على عظيم توقدها وتغيظها وتهددها فقال: ﴿السعير *﴾ أي الذي قضت عليهم أعمالهم بملازمتها.
[ ٢٠ / ٢٣٩ ]