ولما كان هذا أمرًا رائعًا لمن له أدنى معقول، وكان الاستفهام مما يزيد الروعة، قال مسببًا عن استئصالهم ليكون الإخبار به المستلزم لغاية العلم بالجزئيات كالدعوى بدليلها: ﴿فهل ترى﴾ أي أيها المخاطب الخبير الناس في جميع الأقطار ﴿لهم﴾ أي خصوصًا، وأعرق في النفي وعبر بالمصدر الملحق بالهاء مبالغة فقال: ﴿من باقية *﴾ أي بقاء أو نفس موصوفة بالبقاء، وأنجى الله ﷾ صالحًا ﵇ ومن آمن به من بين ثمود ولم تضرهم الطاغية وهودًا ﵇ ومن آمن به من بين عاد لم يهلك منهم أحد، فدل ذلك دلالة واضحة على أن له تعالى تمام العلم بالجزئيات كما أن له كمال الإحاطة بالكليات وعلى قدرته واختياره وحكمته، فلا يجعل المسلم أصلًا كالمجرم ولا المسيء كالمحسن.
ولما أخبر تعالى عمن أهلك بالريح ومن أهلك بما سببه الريح تسبيبًا قريبًا بغير واسطة، وكان ذلك كله - لخروجه عن العادة - رادًا على أهل الطبائع، أخبر بمن أهلك مما سببته الريح من الماء
[ ٢٠ / ٣٤٦ ]
بواسطة السحاب، وكانت سبب تطابقه عليهم مع أن كفرهم بالتعطيل الذي هو أنحس أنواع الكفر للقول بالطبيعة التي تتضمن الإنكار للبعث، وكان إغراقهم بما يكذب معتقدهم لخروجه عن العادة، فقال منبهًا على قوة كفرهم بالمجيء: ﴿وجاء﴾ أي أتى إتيانًا عاليًا شديدًا ﴿فرعون﴾ أي الذي ملكناه على طائفة من الأرض فعتى وتجبر وادعى الإلهية ناسيًا هيبتنا وقدرتنا بنقمتنا وأنكر الصانع وقال بالطبائع ﴿ومن قبله﴾ أي في جهته وفي حيزه وما يليه وفي السير بسيرته من العلو في الأرض بغير الحق والعتو في الكفر، وهو ظرف مكان، هكذا على قراءة البصريين والكسائي بكسر الكاف وفتح الموحدة، فعم ذلك كل من كان كافرًا عاتيًا من قبله ومن بعده، وهو معنى قراءة الباقين بفتح القاف وإسكان الباء الموحدة على أنه ظرف يقابل «بعد» بزيادة.
ولما كان قوم لوط ﵇ قد جمعوا أنواعًا من الفسوق لم يشاركهم فيها أحد، فاشتمل عذابهم على ما لم يكن مثله عذاب، فكان كل من فعلهم الذي لم يسبقهم به أحد من العالمين وعذابهم الذي ما كان مثله قبل ولا بعد، رادًا على أهل الطبائع، نص عليهم من بين من دخل فيمن قبله على القراءتين فقال: ﴿والمؤتفكات﴾ أي
[ ٢٠ / ٣٤٧ ]
أهل المدائن المنقلبات بأهلها حتى صار عاليها سافلًا لما حصل لأهلها من الانقلاب حتى صاروا إياه واتبعت حجارة الكبريت وخسف بها وغمرت بما ليس في الأرض مثله وهي قرى قوم لوط ﵇ ﴿بالخاطئة *﴾ أي الخطأ أو الأفعال ذات الخطأ التي تتخطى منها إلى نفس الفعل القبيح من اللواط والصفع والضراط مع الشرك وغير ذلك من أنواع الفسق والعناد والطغيان.
ولما كان الرسل كلهم جميعًا كالفرد الواحد لاتفاق مقاصدهم في الدعاء إلى الله والحمل على طاعته، قال مستأنفًا مسببًا عن مجيئهم بذلك موحدًا في اللفظ ما هو صالح للكثير بإرادة الجنس: ﴿فعصوا﴾ أي خالفوا ونابذوا ﴿رسول ربهم﴾ أي خالفت كل أمة من أرسله المحسن إليها بإبداعها من العدم وإيداعها القوى وترزيقها وبعث رسولها لإرشادهها اغترارًا بإحسانه ولم يجوزوا أن المحسن يقدر على الضر كما قدر على النفع، لأنه الضار كما أنه النافع فللتنبيه على مثل ذلك لا يجوز نقل أحد الاسمين عن الآخر، وسبب عن العصيان قوله: ﴿فأخذهم﴾ أي ربهم أخذ قهر وغضب ﴿أخذة﴾ لم يبق من أمة منهم أحدًا ممن كذب الرسول فلم يكن كمن ينصر على عدو من الآدميين لا بد من أن يفوته كثير منهم وإن اجتهد في الطلب، وما ذاك إلا لتمام علمه
[ ٢٠ / ٣٤٨ ]
﷾ بالجزئيات والكليات، وشمول قدرته، وتلك الأخذة - مع كونها بهذه العظمة من أنها أخذتهم كنفس واحدة - جعلها سبحانه ﴿رابية *﴾ أي عالية عليهم علية القدر في قوة البطش وشدة الفتك زائدة على الحد نامية بقدر زيادة أعمالهم في القبح، والربا: النمو، وأصله الزيادة، فأغرق فرعون وجنوده، وأغرق كل من كذب نوحًا ﵇، وهم كل أهل الأرض غير من ركب معه في السفينة، وحمل مدائن لوط ﵇ بعد أن نتقها من الأرض على متن الريح بواسطة من أمره بذلك من الملائكة ثم قلبها وأتبعها الحجارة وخسف بها وغمرها بالماء المنتن الذي ليس في الأرض ما يشبهه.
ولما كان ربما وقع في وهم التعجب من وجود فرعون ومن بعده من الإخبار بأخذ من قبله على قراءة الجماعة مع أن «من» من صيغ العموم، أشار إلى أنه أهلك جميع المخالفين وأنجى جميع الموافقين، قال جوابًا لذلك السؤال مؤكدًا لأجل من يتعنت ولأن ذلك كان مما يتعجب منه ويتلذذ بذكره: ﴿إنا﴾ أي
[ ٢٠ / ٣٤٩ ]
على قدرتنا وعظمتنا وإحاطتنا ﴿لما طغا الماء﴾ أي فزاد عن الحد حتى علا على أعلى جبل في الأرض بقدر ما يغرق من كان عليه حين أغرقنا قوم نوح ﵇ به فلم يطيقوا ضبطه ولا قاووه بوجه من الوجوه، ولا وفقوا لركوب السفينة، فكان خروجه عن العادة رادًا على أهل الطبائع.
ولما كان الإيجاد نعمة فكان إنجاء آبائهم من الغرق حتى كان ذلك سببًا لوجودهم نقمة عليهم قال تعالى: ﴿حملناكم﴾ أي في ظهور آبائكم بعظمتنا ومشيئتنا وقدرتنا ﴿في الجارية *﴾ أي السفينة التي جعلناها بحكمتنا عريقة في الجريان حتى كأنه لا جارية غيرها على وجه الماء الذي جعلنا من شأنه الإغراق، وهو تعبير بالصفة عن الموصوف، ونوح ﵇ أول من صنع السفينة، وإنما صنعها بوحي الله تعالى وبحفظه له من أن يزل في صنعتها، قال: اجعلها كهيئة صدر الطائر ليكون ما يجري في الماء مقاربًا لما يجري في الهواء، وأغرقنا سوى من في السفينة من جميع أهل الأرض من أدمي وغيره.
ولما بدأ ﷾ بثمود الذين هم أقرب المهلكين إلى مكة المشرفة لأن التخويف بالأقرب أقعد، وختم بقوم نوح ﵇ لأنهم كانوا جميع أهل الأرض ولم يخف أمرهم على أحد ممن
[ ٢٠ / ٣٥٠ ]
بعدهم، علل اختيار إنجائهم بالسفينة دون غيرها فقال: ﴿لنجعلها﴾ أي هذه الفعلات العظيمة من إنجاء المؤمنين بحيث لا يهلك منهم بذلك العذاب أحد وإهلاك الكافرين بحيث لا يشذ منهم أحد، وكذا السفينة التي حملنا فيها نوحًا ﵇ ومن معه بإبقائها آية من آياته وأعجوبة من بدائع بيناته وغريبة في الدهر من أعجوباته ﴿لكم﴾ أي أيها الأناسي ﴿تذكرة﴾ أي سببًا عظيمًا لذكر أول إنشائه والموعظة به لتستدلوا بذلك على كمال قدرته تعلى وتمام علمه وعظمة رحمته وقهره، فيقودكم ذلك إليه وتقبلوا بقلوبكم عليه ﴿وتعيها﴾ أي ولتحفظ قصة السفينة وغيرها مما تقدم، حفظًا ثابتًا مستقرًا كأنه محوى في وعاء.
ولما كان المنتفع بما يسمع الحافظ له قليلًا جدًا، دل على ذلك يتوحيد الأذن فقال موحدًا منكرًا مع الدلالة على تعظيمها: ﴿أذن﴾ أي عظيمة النفع ﴿واعية *﴾ أي من شأنها أن تحفظ ما ينبغي حفظه من الأقوال والأفعال الإلهية والأسرار الربانية لنفع عباد الله كما كان نوح ﵇ ومن معه وهم قليل سببًا لإدامة النسل والبركة فيه
[ ٢٠ / ٣٥١ ]
حتى امتلأت منه الأرض. والوعي: الحفظ في النفس، والإيعاء: الحفظ في الوعاء، وفي ذلك توبيخ للناس بقلة الواعي منهم، ودلالة على أن الأذن الواحدة إذا غفلت عن الله تعالى فهي السواد الأعظم، وما سواها لا يبالي بهم الله بالة - قاله الأصبهاني والزمخشري وغيرهما.
ولما ذكر القيامة وهول أمرها بالتعبير بالحاقة وغيرها، ودل على قدرته عليها وعلى حكمته بقصص من ذكر على الوجه الذي مر إلى أن ختم بالذين كانت قصتهم أشبه تلك القصص بالقيامة من حيث أن أمر الله فيها عم أهل الأرض وفي زمن يسير، وكان الناجون منها بالنسبة إلى المهلكين كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، سبب عن جميع ما مضى قوله شرحًا لأمرها: ﴿فإذا نفخ﴾ وبنى الفعل للمجهول دلالة على هوان ذلك عليه وأنه ما تأثر عنه لا يتوقف على نافخ معين بل من أقامه من جنده لذلك تأثر عنه ما يريده وذكره وإن كان المسند إليه مؤنثًا للفصل ولكونه غير حقيقي التأنيث وللدلالة على قوة النفخ ﴿في الصور﴾ أي القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ كأنه عبر عنه به دون القرن مثلًا لأنه يتأثر عنه تارة إعدام الصورة وتارة إيجادها وردها إلى أشكالها سعة فمه كما بين السماء والأرض،
[ ٢٠ / ٣٥٢ ]
وأسند الفعل إلى المصدر ليفيده بادىء بدء لا ليؤكده وإن كان التأكيد يفهم منه وهو غير مقصود بالذات فقال: ﴿نفخة﴾ ولما دل بالفعلة على الواحدة، أكده دلالة على عظيم قدرته وحقارة الأشياء عنده بقوله: ﴿واحدة *﴾ أي فهلك الخلائق كلهم، هكذا قالوا إن هذه النفخة هي الأولى، قالوا: وعندها خراب العالم، وظاهر السياق أنها الثانية التي بها البعث، وخراب ما ذكر بعد قيامهم أنسب لأنه لهم أهيب، وكونها الثانية إحدى الروايتين عن ابن عباس ﵄.
[ ٢٠ / ٣٥٣ ]