ولما كان هذا الذي حكاه ﷾ عن المنافقين بحيث يعجب غاية العجب من تصور قائله له فضلًا عن أن يتفوه به فكيف بأن يعتقده، نبه على أن العلة الموجبة له طمس البصيرة، وأن العلة في طمس البصيرة الإقبال بجميع القلب على الدنيا رجوعًا على إيضاح ما تقدم في
[ ٢٠ / ٩١ ]
نتيجة الجمعة من الإذن في طلب الرزق والتحذير من مثل فعل حاطب ﵁ وفعل من انصرف عن خطبة لتلك العير، وكان هذا التنبيه على وجه حاسم لمادة شرهم في كلامهم فإن كلمة الشح كما قيل مطاعة، ولو بأن تؤثر أثرًا ما ولو بأن تقتر نوع تقتير في وقت ما، فقال مناديًا لمن يحتاج إلى ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أخبروا بما يقتضي أن بواطنهم مذعنة كظواهرهم ﴿لا تلهكم أموالكم﴾ ولما كان الخطاب مع من يحتاج إلى التأكيد قال: ﴿ولا أولادكم﴾ أي لا تقبلوا على شيء من ذلك بجميع قلوبكم إقبالًا يحيركم سواء كان ذلك في إصلاحها أو التمتع بها بحيث تشتغلون وتغفلون ﴿عن ذكر الله﴾ أي من توحيد الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء فله الملك وله الحمد يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فإذا كان العبد ذاكرًا له بقلبه دائمًا لم يقل كقول المنافقين ﴿لا تنفقوا﴾ [المنافقين: ٧] ولا ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقين: ٨] لعلمه أن الأمر كله لله، وأنه لن يضر الله شيئًا، ولا يضر بذلك إلا نفسه، وهذا يشمل ما قالوه من التوحيد والصلاة والحج والصوم وغير ذلك، ولإرادة المبالغة في النهي وجّه النهي إلى الأموال والأولاد بما المراد منه نهيهم.
[ ٢٠ / ٩٢ ]
ولما كان التقدير: فمن انتهى فهو من الفائزين، عطف عليه قوله: ﴿ومن يفعل﴾ أي يوقع في زمن من الأزمان على سبيل التجديد والاستمرار فعل ﴿ذلك﴾ أي الأمر البعيد عن أفعال ذوي الهمم من الانقطاع إلى الاشتغال بالفاني والإعراض عن الباقي والإقبال على العاجل مع نسيان الآجل ﴿فأولئك﴾ أي البعداء عن الخير ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الخاسرون *﴾ أي العريقون في الخسارة حتى كأنهم كانوا مختصين بها دون الناس، وذلك ضد ما أرادوا بتوفير النظر إليهم والإقبال عليهم من السعي للتكثير والزيادة والتوفير، وفي إفهامه أن من شغله ما يهمه من أمر دينه الذي أمره سبحانه به ونهاه عنه إضاعته وتوعده عليها كفاه سبحانه أمر دنياه الذي ضمنه له ونهاه أن يجعله أكبر همه وتوعده على ذلك، فما ذكره إلا من وجده في جميع أموره دينًا ودنيا، وتوجه إليه في جميع نوائبه، وأقبل عليه بكل همومه، وبذل نفسه له بذل من يعلم أنه مملوك مربوب فقد أمر ربه على نفسه واتخذه وكيلًا فاستراح من المخاوف، ولم يمل إلى شيء من المطامع فصار حرًا.
ولما حذر من الإقبال على الدنيا، رغب في بذلها مخالفة للمنافقين فقال: ﴿وأنفقوا﴾ أي ما أمرتم به من واجب أو مندوب، وزاد في الترغيب بالرضى منهم باليسير مما هو كله له بقوله: ﴿من ما رزقناكم﴾
[ ٢٠ / ٩٣ ]
أي من عظمتنا وبلغ النهاية في ذلك بالرضا بفعل ما أمر به مع التوبة النصوح في زمن ما ولو قل بما أرشد إليه إثبات الجار، فقال مرغبًا في التأهب للرحيل والمبادرة لمباغتة الأجل، محذرًا من الاغترار بالتسويف في أوقات السلامة: ﴿من قبل﴾ وفك المصدر ليفيد «أن» مزيد القرب فقال: ﴿أن يأتي﴾ ولما كان تقديم المفعول كما تقدم في النساء أهول قال: ﴿أحدكم الموت﴾ أي برؤية دلائله وأماراته، وكل لحظة مرت فهي من دلائله وأماراته. ولما كانت الشدائد تقتضي الإقبال على الله، سبب عن ذلك بقوله: ﴿فيقول﴾ سائلًا في الرجعة، وأشار إلى ترقيقها للقلوب بقوله: ﴿رب لولا﴾ أي هل لا ولم لا ﴿أخرتني﴾ أي أخرت موتي إمهالًا لي ﴿إلى أجل﴾ أي زمان، وبين أن مراده استدراك ما فات ليس إلا بقوله: ﴿قريب فأصدق﴾ أي للتزود في سفري هذا الطويل الذي أنا مستقبله، قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء: قال بعض العارفين: إن ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة، وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين فيبدو للعبد من الأسف والحسرة مما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها
[ ٢٠ / ٩٤ ]
ويتدارك تفريطه، يقول: يا ملك الموت! أخرني يومًا أعتذر فيه إلى ربي وأتوب وأتزود فيها صالحًا لنفسي، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة، فيغلق عليه باب التوبة فيتغرغر بروحه وتردد أنفاسه في شراسيفه ويتجرع غصة البأس عن التدارك وحسرة الندامة على تضييع العمر، فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال، فإذا زهقت نفسه فإن كان سبقت له من الله الحسنى خرجت روحه على التوحيد، فذلك حسن الخاتمة، وإن سبق له القضاء بالشقوة والعياذ بالله تعالى خرجت روحه على الشك والاضطراب، وذلك سوء الخاتمة، ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين: أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينًا وطبعًا فلا يقبل المحو، الثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو، فيأتي الله تعالى بقلب غير سليم، والقلب أمانة الله عند عبده، قال بعض العارفين: إن لله تعالى إلى عبده سرين على سبيل الإلهام: أحدهما إذا خرج من بطن أمه يقول له: عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرًا نظيفًا واستودعتك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر كيف تلقاني، والثاني عند خروج روحه يقول: عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك
[ ٢٠ / ٩٥ ]
هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعذاب.
ولعله أدغم تاء التفعل إشارة إلى أنه إذا أخر فعل ذلك على وجه الإخفاء ليكون أفضل، أو يكون إدغامها اختصارًا لبلوغ الأمر إلى حد محوج إلى الإيجاز في القول كما طلب في الزمن، ويؤيده قراءة الجماعة غير أبي عمرو ﴿وأكن﴾ بالجزم عطفًا على الجواب الذي هدى السياق إلى تقديره، فإن حال هذا الذي أشرف هذا الإشراف يقتضي أن يكون أراد إن «أخرتني أتصدق» ولكنه حذفه لضيق المقام عنه واقتضاء الحال لحذفه، وهو معنى ما حكاه سيبويه عن الخليل أن الجزم على توهم الشرط الذي دل عليه التمني على الموضع، فإن الجازم غير موجود، ومعنى ما قال غيره أن «لولا» لكونها تحضيضية متضمنة معنى الأمر ومعنى الشرط، فكأنه قيل: أخرني، فيكون جوابه العاري عن الفاء مجزومًا لفظًا والمقرون بها مجزومًا محلًا ف «اكن» عطف على المحل، ونصب أبو عمرو عطفًا على اللفظ لأنه جواب التمني الذي دلت عليه «لولا» وإجماع المصاحف على حذف الواو لا يضره لأنه قال: إنها للاختصار، وهو ظاهر، وذلك للمناسبة بين اللفظ والخط والزمان والمراد، ومن هنا تعرف جلالة
[ ٢٠ / ٩٦ ]
القراء ومرادهم إن شاء الله تعالى بقولهم في الضابط المشهور وإن توافق رسم المصحف ولو احتمالًا ﴿من الصالحين *﴾ أي العريقين في هذا الوصف العظيم، وزاد في الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله مؤكدًا لأجل عظيم الرجاء من هذا المحتضر للتأخير عطفًا على ما تقديره: فلا يؤخره الله فيفوته ما أراد: ﴿ولن﴾ ويجوز أن تكون الجملة حالًا أي قال ذلك والحال أنه لن ﴿يؤخر الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه ﴿نفسًا﴾ أي أيّ نفس كانت، وحقق الأجل بقوله: ﴿إذا جاء أجلها﴾ أي وقت موتها الذي حده الله لها فلا يؤخر الله نفس هذا القائل لأنها من جملة النفوس التي شملها النفي. ولما كان المعنى على طريق النتائج التي لا شك في إرشاد اللفظ إليها: الله عالم فإنه يقول ذلك، عطف عليه قوله حاثًا على المسارعة إلى الخروج عن عهدة الطاعات والاستعداد لما لا بد منه من اللقاء محذرًا من الإخلال ولأنه لا تهديد كالعلم: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الشاملة علمًا وقدرة ﴿خبير﴾ أي بالغ الخبرة والعلم ظاهرًا وباطنًا ﴿بما تعملون *﴾ أي توقعون عمله في الماضي والحال والمآل كله ظاهره وباطنه من هذا الذي أخبرتكم أن المحتضر العاصي يقوله ومن غيره منه ومن غيره
[ ٢٠ / ٩٧ ]
أيها الناس - هذا على قراءة الجمهور بالخطاب، وعلى قراءة أبي بكر عن عاصم بالغيب يمكن أن يراد المنافقون، ويمكن أن يعم فيكون الضمير للنفس على المعنى ويمكن أن يكون الضمير للناس على الالتفات للإعراض تخويفًا لهم، ولذلك علم سبحانه كذب المنافقين في أنهم يعتقدون ما شهدوا به في أمر الرسالة وعلم جميع ما قص من أخبارهم ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] والله أعلم.
[ ٢٠ / ٩٨ ]