ومن الأمور التي أولاها البسيلي اهتماما ظاهرا، الجمع بين الآيات الموهمة للتعارض، حتى إنه يكاد يكون هذا الأمر، لفرط ما تلفيه بين تضاعيف الكتاب، مقصدا تغياه المؤلف أو جنح إليه من حيث يحتسب أو لا يحتسب، وحسبك أن تعلم أن التفات المؤلف إليه بشكل مطرد، يجعل من كتابه كتابا في المشكل القرآني أكثر من كونه تفسيرا لآيات مخصوصة. ويظهر من خلال نكت من كتابه أنه يربط بين التفسير وبين حل المشكل القرآني، فقد ساق عند قوله تعالى: (وَأَبًّا)، حكاية عمر، حين "سأل الناس ما الأب؟. فقال: اتبعوا ما بُيِّنَ لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه". ثم استشف البسيلي من الحكاية أنها كأنّها تنهَى عن تتبُّع معاني القرآن ومشكلاته، ثم أجاب عن هذا الإشكال بما تراه في موضعه. وقد صرح خلال كتابه أنه لا يكون المفسر ماهرا حتى يتمكن من الجمع والتوفيق بين ما ظاهره التعارض، وذلك قوله: "الواجب على المفسر الماهر أن يراعي في تفسيره فيكل مقام، ما يسلم به من الخطأ، وأما التوفيق
[ ١ / ١٦٥ ]
بين مفردات الألفاظ، فمن أجل المقاصد، ولا يعلم كنهه بحسب اقتضاء كل مقام إلا الله سبحانه".
وهكذا فقد حاول أن يجمع بين الآيات أو الآثار التي ظاهرها التعارض، ففعل ذلك في الآيات التالية:
- بين قوله تعالى: (تَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ)، وقوله: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمُ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ويُقَلِّلكُم).
- بين قوله تعالى: (يَمِيزَ اَلْخَبيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ) وقوله ﷿: (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كثْرَةُ الْخَبِيثِ).
- بين قوله تعالى: (قُل لا يَعْلَمُ مَن في اِلسَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ اِلْغَيْبَ إِلاَّ الله) وبين قوله تعالى في سورة الجن: (عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبهِ أَحَدا اِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُول).
- كيفَ قال في سورة القصص: (فَأخاف)، وقدْ قالَ قبل: (لاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنينَ)؟
- كيف تتقرر المغفرةُ لهم (أَعَدَّ اَللَّهُ لَهُم مغْفِرَةً): [يقصد: المسلمين والمسلمات ]، مع قوله تعالى: (إن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيئاتِ)؟. وهذه الأوصاف كلُّها محصِّلةٌ للثواب المذْهِب للذنوب، فلم يبْقَ ما يُغفر!.
[ ١ / ١٦٦ ]
- عند قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ)، أزاح الإشكال عن الآية، بإجابته عن سؤاله: "إنْ قلت: قد كان عنده ولدُه إبراهيم والقاسم والطاهر والطيب".
- كيف الجمع بين قوله تعالى: (وَمَاَ أَنتَ بمُسْمِعٍ مَّن في اِلقبُورِ)، وبين حديث أهل القليب يوم بدر، حيث قال: "ما أنتم بَأسمع منهم".
- كيف الجمع بين آية يس (فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ)، وآية الزمر (فَإِذا هُمْ قِيَامٌ).
- كيف قال: (حَمَلْنَا ذُرياتِهمْ)، فمنَّ عليهم بحمل ذرياتهم، وقال: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكمْ في الْجَاِريَةِ) فَمَنَّ عليهم بحمل أنفسهم.