أ - تاريخ تأليفه:
حضر البسيلي درس ابن عرفة سنة ٧٨٣ هـ، حسبما أفاد طَيَّ تفسيره، ومكث بعد ذلك عشرين حجة يتتلمذ لشيخه، يختمُ عنده التفسير، وهي مدة ليست باليسيرة، تخوِّل لصاحبنا أن يبدئ ويعيد في تنقيح مسودة كتابه ومدوّناته، بل نفْض يده منه، ولكنه عكْسَ المتبادِر لم يأت على إتمامه إلا بعدَ وفاة شيخه، بل بعدَه بأربع سنوات على الأقل؛ تأويلُه أنك تجده ينقل عن ابن عرفة -وهو يتحدث بلسان الأشاعرة- أنه "يجوز أن يَقْدِرَ الجسم اللطيفُ على حمل الجسم الكثيف ويشهدُ لهذا ما جرى في عام ٧٧١ هـ، كيف رَمَتِ الريحُ الأشجار العظيمة. قلت - (أي البسيلي) -: ووقع مثلُه بتونس في عام ستة وثمانمائة (٨٠٦ هـ)، وُجد في صبيحة تلك الليلة كثيرٌ من الأشجار العظيمة من الزيتون وغيره، ورأيتُه عِيانا مطروحا على وجه الأرض"، وهو يذكر في موضع آخر تاريخ ٨٠٨ هـ.
ونخلُص مما يَشف عنه هذا النص إلى ما يلي:
- أن البسيلي مكث يؤلف كتابَه أو يتعهده على الأقل حتى بعد وفاة ابن عرفة، ويقْوَى هذا الأمرُ بضميمة أننا نجد في "نكته" الصغرى والكبرى، ترجمة محررة لابن عرفة وضبطا لتاريخ وفاته.
[ ١ / ١٢٧ ]
- أن البسيلي لم يبرحْ تونس بعد وفاة ابن عرفة، حيث ألفته سنة ٨٠٦ هـ ثمة، مما مكَّنه من الشهادة على الإعصار الذي ضرب المدينة، ثم هو يذكر أنه قرأ "الشفا" على أبي الفضل بن القاسم بن أبي الحسن علي الأندلسي، بجامع الزيتونة، سنة ٨٠٨ هـ.
- أن مطالبة الأمير محمد بن أحمد الحفصي المعروف بالحسين -ابن السلطان أبي العباس التونسي، وأخ السلطان أبي فارس صاحب تونس- صاحبَنا بالتقييد الكبير، كانت بالبتِّ بعد سنة ٨٠٨ هـ وقبل سنة ٨٣٠ هـ، ولهذه المطالبة قصة سترِدُ بعد:
ب - قصة اختصار "التقييد الكبير":
ساق التنبكتي قصةً ذاتَ دلالة -تلقَّفَها عنه المؤرخون من بعدِه-، مفادها أن البسيلي لما أتم تأليف "التقييد الكبير"، سمع بذلك الأمير الفقيه الحسين، الآنفُ الذكر، فراسَلَه وطلبه منه، فامتنع البسيلي ومَاطَلَه أياما، ثم أرسل الأميرُ إليه وأمر رسلَه أن لا يفارقوه حتىِ يسلِّمَه لهم، فلما رأى الشيخ الجِدَّ في الأمر، أَخَذَ منه سورة الرّعد إلى الكهف، ودَفع لهم الباقي فمشوا به.
وتشي القصةُ بأن ما بين الأمير والبسيلي مِن وُدِّ الصحبة أيامَ الطلب قد انفرط عِقْدُه بعروج ذاك إلى مِرْقَاة الحكم -إذْ حاول تسَنُّمَ ذُرَاهُ بانقلاب فاشل أوْدى به-، وانزواءِ هذا في دارِه مقرئا بسقيفتها، أو لعله على الأقل قد وَهَى إلى قدْرٍ لم يَدَعْ دَالَّةً للأمير على صاحبه، ولا درأه إلى موافاته بطَلِبَتِه؛ ولسنا على ذُكْر من الداعي للبسيلي أن يمنع الأمير مُرَادَه، فلعله أن يكون قد فرغ من "التقييد الكبير" ولما يَرْتَضِ إبرازَه لِبَدَاءٍ أو تنقيح أو تلَبُّثٍ، وإخراجُه من يده قاطعٌ لأي تغيير واردٍ بعدُ.
ويبدو من إصرار الأمير على تحصيل الكتاب وإلحاحِه في ذلك، مبلغ ما يعرفه للكتاب من قدْر؛ وهو أهلٌ لأن يعرفه، فقد كان من جِلَّة فقهاء تونس وعلمائِها.
أمرٌ آخر تصرح به قصة "كفاية المحتاج"، وهو أن الداعي لاختصار التقييد الكبير، هو مطالبةُ الأمير؛ ولعل ذلك ما أَعْجَلَ صاحبَنا عن إتمام اختصاره، حين خلتْ يدُه من الأصل، فوقَفَ اختصارُه عند سورة الصف.
[ ١ / ١٢٨ ]