لما ساءت الأحوال في الأندلس، بعد سقوط طليطلة، توجس العلماء خيفة من المقام بها، فأجابوا نداء شاعرهم:
يا أهلَ أَنْدَلُسٍ شُدُوا رِحَالَكُمُ فما المُقَامُ بها إلا من الغَلَطِ
السِّلْكُ يُنثَرُ مِن أطْرافه وأَرَى سلكَ الجزيرَةِ مَنثُورًا مِنَ الوَسَطِ
مَنْ جَاوَرَ الشَّرَّ لا يأمَنْ بَوَائِقَهُ كيف الحياة مَعَ الحيَّاتِ في سَفَطِ؟!
فعملوا في الهجرة إلى ما جاورهم من بلدان، وكان مقصدهم من ذلك تلمسان والمغرب الأقصى ثم إلى تونس. وبدخول رحَّالَةِ الأندلس أصبحت هاته الأقاليم وارثةَ العلوم الأندلسية.
وقد لقي هؤلاء الواردون مناخا علميا طيبا، ولَقِحَتْ منهم ثقافة الأفارقة، وحظوا عند الملوك والأمراء، وتبوؤوا مقاما عليا، خاصة بتونس حيث سهل أبو زكرياء الحفصي هجرتهَم، وجَلَبَ العديد منهم صَنَائِعَ لغلبة الموحدين ومزاحمتهم؛
[ ١ / ٣٥ ]
وغَدَتْ هذه الحاضرة الإفريقية قبلتَهم، يستأنسون فيها لمواصلة نشاطهم العلمي، ويجدون أيْدًا على نقل الثقافة الأندلسية إلى قطَّانها؛ وقد تفطَّن حازم لهذا الأمر فضمَّنَهُ قوله:
قد نَدَّ فيها الأَسى عَنْ أَهْلِ أنْدَلُسٍ والأنْسُ فيها عليهم وفْدُه قَدِمَا
وأُبْدِلُوا جَنَّةً من جنة حُرِمُوا منها وقد بُوِّؤُا من ظِلِّها حُرُما
بل إن بعض الباحثين ذهب إلى حدِّ أن هؤلاء الوافدين الأندلسيين زاحموا علماء وأدباء البلد من أهل تونس، ممن ساءهم أن يروا المهاجرين الأندلسيين يحتلون أرفع المناصب في الدولة الحفصية ويزاحمونهم عليها بما يملكون من ثقافات ومواهب، أي أن هناك نزعة بلدية ضيقة لا تنظر بارتياح إلى تسنم الوافدين الغرباء من الأندلسيين أعلى المناصب وأن في هؤلاء غرورا واعتدادا بأنفسهم وثقافتهم وكونهم أهلها وأحق بها من غيرهم.
وإيّا ما يكون، فعناية بني حفص بالعلماء؛ حملت الكثير من علماء الأندلس على انتجاع ربوعهم والانقطاع لخدمتهم، إجابة للرغبة العلمية الصادقة ووفاء بالواجب المفروض، فبثُّوا العلم ونشروا الأدب، وقدَّموا التآليف الجليلة لخزائن ملوك آل حفص، ونثروا على الأسماع محامدهم، وأشادوا بمفاخرهم.
وقد كان لهؤلاء الطارئين لواء مرفوع في نشر العلم، ووصل سلاسل إسناده بين الضفة الإفريقية والأندلس؛ حتى إن ابن خلدون يدين في شطر من ثقافته لهؤلاء، حيث كان يعكف على لقاء المشيخة من أهل المغرب والأندلس الوافدين في غرض السفارة، ويُقِرُّ أنه حصل من الإفادة منهم على البُغية.
وحاصلُه أنهم طائفةٌ من جلة العلماء وأفذاذ الأدباء والشعراء من مهاجرة الأندلس إلى تونس اتخذوا القطر الإفريقي وطنا امتزجوا بسكانه، وانتظموا في سلك ذوي الرتب العليا به، اختاروه لهم وطنا ثانيا آواهم في حياتهم، واحتضن رفاتهم بعد مماتهم، فأصبحوا كآحاد أبنائه الأصليين.
[ ١ / ٣٦ ]
وقد تتبعتُ ذِكرَ هؤلاء الأندلسيين في كتب التراجم والرحلات، فتحصل لي منهم عدد غير يسير؛ فمنهم:
- محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز، ابن نخيل الأندلسي (ت ٦١٨ هـ)، نزيل تونس، الأديب المؤرخ.
- محمد بن يحيى، ابن هشام الخضراوي نسبة إلى الجزيرة الخضراء بالأندلس، يعرف بابن البرذعي (ت ٦٤٦ هـ)، نزيل تونس، النحوي اللغوي.
- يوسف بن محمد بن إبراهيم الأنصاري البياسي البلنسي الأندلسي جمال الدين أبو الحجاج نزيل تونس (ت ٦٥٣ هـ).
- عبد الرحيم بن أبي جعفر أحمد بن علي بن طلحة الأنصاري المعروف بابن عُليم السبتي، أمين الدين، أبو القاسم (ت ٦٥٥ هـ)، نزيل تونس، والمتوفى بها، المحدث الرحال.
- أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن أحمد بن عَميرة المخزومي، أبو المطرف البلنسي (ت ٦٥٨ هـ): نزيل تونس، الفقيه العالم الأديب.
- محمد بن أحمد بن عبد الله بن سيد الناس اليعمري الإشبيلي، أبو بكر، المقرئ المحدث الفقيه اللغوي، نزيل تونس، والمتوفى بها سنة ٦٥٩ هـ.
- محمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي العاص الأنصاري الأوسي البسطي الأندلسي، أبو الجيش، نزيل تونس، (ت ٦٦٢ هـ).
- على بن مؤمن، ابن عصفور الحضرمي الإشبيلي، أبو الحسن (ت ٦٦٩ هـ)، نزيل تونس، النحوي اللغوي.
[ ١ / ٣٧ ]
- محمد بن الحسين يعرف بابن أبي الحسين الغرناطي (ت ٦٧١ هـ)، نزيل تونس، من أسرة ابن سعيد المعروفة بالعلم والأدب.
- محمد بن الحسن ابن حَبيش، أبو بكر اللخمي المرسي، نزيل تونس، الأديب الفقيه الحافظ المتفنن (ت ٦٧٩ هـ).
- الترجمان عبد الله، واسمه الأصلي أتسلم ترمودا، قسيس إسباني من مدينة ميورقة، أسلم في عهد السلطان أبي العباس أحمد بن المستنصر الحفصي، له "تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب".
- حازم بن محمد بن الحسن الأوسي القرطاجني (ت ٦٨٤ هـ): الأديب الشاعر الكاتب المشارك في العلوم العقلية.
- إبراهيم بن محمد الخزرجي الأنصاري الجَزْري الأندلسي، نزيل تونس، أبو إسحق الفقيه الأصولي (كان حيا سنة ٦٨٤ هـ).
- أحمد بن محمد بن ميمون الأشعري المالقي المعروف بابن السَّكَّان، نزيل تونس (ت ٦٨٩ هـ)، الفقيه الأديب الكاتب الشاعر المؤرخ.
- أحمد بن يوسف بن يعقوب بن علي الفهري اللبلي، أبو العباس (ت ٦٩١ هـ): النحوي الأديب الراوية المحدث المقرئ.
- محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يحيى الخزرجي الشاطبي (ت ٦٩١ هـ): نزيل تونس، الفقيه القاضي.
[ ١ / ٣٨ ]
- أحمد بن محمد القرشي، الشريف الغرناطي، أبو العباس (ت ٦٩٢ هـ): نزيل تونس، الحافظ المحدث المؤرخ المعمر، نقل البسيلي عن كتابه "المشرق".
- أحمد بن محمد بن حسن بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي الخزرجي، ابن الغماز البلنسي (ت ٦٩٣ هـ): نزيل تونس، العلامة المقرئ الأديب.
- محمد بن أحمد بن عبد الله الكلاعي المعروف بابن الرومي، وابن النجار، أبو عبد الله (ت ٦٩٣ هـ): نزيل تونس، الصوفي المحدث.
- أبو العباس أحمد بن عثمان بن عجلان القيسي الإشبيلي (توفي في عشر التسعين وستمائة بتونس).
- عبد الله بن محمد بن هارون القرطبي (ت ٧٠٢ هـ)، نزيل تونس، المحدث الأديب الشاعر.
- عمر بن محمد بن خليل السكوني، أبو علي الإشبيلي الأصل، نزيل تونس (ت ٧١٧ هـ)، المتكلم المشارك في علوم.
- عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن الحضرمي السبتي (ت ٧٤٩ هـ).
- محمد بن محمد البدوي الأندلسي (ت ٧٥٠ هـ).
[ ١ / ٣٩ ]
- علي بن محمد بن أبي القاسم، ابن رزين التجيبي المرسي، أبو الحسن، نزيل تونس، الفقيه الأديب.
- أبو العباس أحمد البلنسي الشهير بابن الحاجة.
- يوسف بن إبراهيم بن أحمد، ابن عقاب الجذامي الأندلسي، نزيل تونس.
- عبد الله بن يوسف بن موسى الخِلاَسِي الأندلسي، أبو محمد، الفقيه الصالح.
- أحمد ابن القصير الإشبيلي، نزيل تونس.
- أبو الحسن علي، الشهير بابن الزيات، من شيوخ ابن أبي جمرة الأندلسي، استوطن حاضرة إفريقية.
- إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى الإيادي القرموني ثم المالقي، ابن حبي، نزيل تونس.
- أبو بكر محمد بن أحمد بن شبرين الجذامي السبتي ثم الغرناطي، ورد على تونس في الخامس لذي القعدة عام ٧٠٣ هـ؛ فأقام بها مدة ثم ارتحل عنها عائدا إلى وطنه سبتة، في التاسع عشر من شهر المحرم عام ٧٠٤ هـ؛ توفى عام ٧٤٧.
******
[ ١ / ٤٠ ]