- المختصر الفقهي:
وهو أعظم آثاره؛ عرف بأسماء عديدة؛ منها: "المبسوط في الفقه"، "التقييد الكبير في المذهب"، لم يُسبق به في تهذيبه وجمعِه وحدودِه وأنيق أبحاثه، لضبطه في المذهب مسائلَ وأقوالا مع زوائدَ مكمِّلة، والتنبيهِ على مواضَع مشكلة، وتعريف الحقائق الشرعية، ابتدأ تصنيفه عام اثنين وسبعين وكمله عام ستة وثمانين وسبعمائة. وقد أقرأه ابنُ عرفة بتونس والمشرق، ويحدِّدُ الدمَاميني تاريخَ سماعِه للمختصر بإقْرَاِء مؤلفه بالإسكندرية سنة ٧٩٢ هـ، حيث كان هو القارئ، وهو ينقلُ لنا حكايةً عن بعض ما كان يجوسُ خلال مناقشة ابن عرفة لطلابه، حين يساجل المؤلفَ من لا أَيْدَ له في العلم، مِن قصير يطاول، وضعيفٍ يُقَاوي؛ قال الدماميني: "كان شخص من الطلبة الموسومين بالتشدق والتّكَثُّرِ بما لم يُعْطَ حاضرا بالمجلس، فَمَرَّ موضع من كلام الشيخ عائد فيه ضمير على مضاف إليه، فقال له ذلك الشخص بجرأة: النحويون يقولون: لا يعود الضمير على المضاف إليه، فكيف أعدتموه؟. فقال الشيخ على الفور بلا تعلم: قال تعالى: ﴿كمَثَلِ الحمَارِ يَحْمِلُ أَسفَارًا﴾، ولم يزد على ذلك؛ وفيه من اللطف ما لا يخفى، ولا شك أن النحاة لم يقولوا ما نقل هذا الرجل".
[ ١ / ٨٣ ]
وقد جاء "المختصر" منسوجا على منوال واحد في عُمْق النظر وعلوِّ الحكم، كبقية تآليفِ ابن عرفة، إلا أنَّه هو الذي سُلِّم له الفوزُ من غير نظير.
والمميز في "المختصر" أن صاحبَه خرج بالفقه من المنهج التقليدي الذي رَسَخ في البيئة الثقافية الإفريقية إلى هذه الطريقة الجديدة، والمعتمِدة على جَمْعِ الأنظار الفقهية، ومقارنِتها واستخلاص النتائج منها، بحسب منهج البحث العلمي المؤسَّس على المنطق والأصول.
والحدودُ التي أُخِذَت عن المختصر بالغة الأهمية، إذِ اعتبرت عمدةً في ضبط المسائل وتعريف الحقائق لدى علماء المغرب والمشرق، حيث أنه ما منْ تأليف كلي أو بحثٍ فقهي في القرن التاسع وما بعدَه، يأخذُ في بسْط بابٍ من أبواب الفقه إلا وهو معتمدٌ قبل كل شيء على إيرادِ تعريفِ ابنِ عرفة لتلك الحقيقة. وقد أعانه على هذه الصياغة الدقيقة المحكمة التي أثارت الإعجابَ شغفُه بالمنطق، وله فيه مختصر مركز.
وقد قصد في تأليفه أمرين اثنين:
- الأول: جمعُ أقصى ما يمكن جمعُه من مسائلِ الفقه ليمكنَ الرجوعُ إليها في القضاء والفتوى جمعَ تحقيق وترجيح.
- الثاني: تعريف أبواب الفقه تعريفا دقيقا موجزا مدخلا ومخرجا.
وقد دفع تقدير الأبي لهذا التأليف أن يمدحه فقال ناظما:
أيا طالِبي العلمِ يبْغون حفظَه هلُمُّوا فإن العلمَ هانت سبيلُه
فهذا هُدِيتمْ للصوابِ ابنُ عَرْفَة أتاكم بوضْعٍ لم يُشاهَدْ مثِيلُه
فدونكُمْ يُغْنِي عن الكُتْبِ كلها وإنْ قَل حجمًا والعِيَانُ دليلُهُ
وحَلَّ من التَحْقِيقِ أرفَعَ رُتْبَةٍ وهُذِّب مَبْنَاهُ فَصَحَّتْ نُقُولُه
[ ١ / ٨٤ ]
وأَحْكَمَ مِنْ كُلِّ الحقائِق رَسْمَهَا فلا خَلَلٌ يُخْشى لديها حُلُولُهُ
وَرَدَّ مِن التخريج والنقْلَِ وَاهِيًا وأوْردَ تنْبيهًا فحَقَّ قَبُولُه
كذا فليكُنْ وضْعُ التآليف لو يدم ولا غَرْوَ ذاك العلْمُ هَذَا قَلِيلُهُ
فإنْ جاء فَرْضًا من يُرِيدُ اعْتِرَاضَهُ فَدَعْ أَمْرَهُ إِنّ التعسُّف قِيلُه
لكن أليس غريبا أن يكون الكتاب بهذا القدر، فلا يكتب له الاشتهار الذي وسم "المختصر الخليلي"؟. والجوابُ من وجهين:
١ - أنه شديد الغموض، وَصَفه بهذا ابن حجر، وهو عيْنُ مُؤَدَّى حكايةِ القباب مع ابنِ عرفة حين اجتَمعا بتونس، فأراه ما كتب من المختصر الفقهي -وقد شرع في تأليفه- فقال له القبَّاب: ما صنعتَ شيئا. فقال له ابن عرفة: ولم؟ فقال: لأنه لا يفهمُه المبتدي ولا يحتاجه المنتهي؛ فتغَيَّرَ وجهُ الشيخ ابن عرفة، ثم ألقى عليه مسائلَ فأجابه عنها. ويقال: إن كلامه هذا هو الحاملُ لابن عرفة أنْ ليَّن عبارته في أواخر كتابه. بل إن استغلاقَه لم يَجُزْ على عامة الباحثين فحسب، بل تعداه إلى مؤلفه، حتى إنه في آخر عمره صار يصعب عليه هو نفسه بعض المواضع منه، كما وقع له في تعريف الإجارة.
والحقيقة أن الغموض لم يكن وحده علة خبوِّ وهَج الكتاب، فمختصر خليل أغمض منه وأعوص، ولكن هناك سببا آخر، وهو التالي:
٢ - أن الكتاب لم يكن من "مقررات" الوقت، وكان مغربيا فجنى عليه ذلك، فلم يرتفع له صوت في المشرق، بدليل أن كل شراحه على قلَّتهم مغاربة، يُبين ذلك أن فقهاء مصر في ق ٩ هـ كانوا يرفضون دراسة كتب ابن عرفة، هذا بهرام الدميري (ت ٨٠٥ هـ) شرح المختصر الخليلي شرحين، وكان شيخَ الشيخونية، ومعه فضلاء مغاربة، فطلب منهم تصحيحه بين يديه على عادة الشيوخ فأبوا عليه حسدا وقالوا: لا نسمع كتبك ولا كتب شيخك ولا ابن عرفة، ولا نسمع إلا كتاب ابن عبد السلام فمن فوقه.
[ ١ / ٨٥ ]
ويأتي كلام ابن حجر، أحد الآخذين عن ابن عرفة، حَكَما عدلا على هذا الكتاب بقوله: "وله كتاب في الفقه سماه المختصر، يبلغ عشرة أسفار أو دونها، جامع لغالب أمهات المذهب والنوازل والفروع الغريبة وكثرة البحث مع ابن شاس في "الجواهر" وابن بشير في "التنبيه" وابن الحاجب في اختصاره لهذين الكتابين، وشيخه ابن عبد السلام في "شرحه على ابن الحاجب"، إلا أن التفقه به صعب".
ولعل بَعْثَ ابنِ عرفة للأنظار المهجورة في الفقه، وتَعَبُّدَ الفقهاء بألفاظ الكتب، سيما شراح ابن الحاجب، صَرَفهم عن معاناة الكتاب ورَدّ تلك الأقوال إلى أصولها والترجيح بينها وبين المشتهر في الإفتاء وما جرى به العمل، وهو عمل لا يطيقه إلا النَّظَّار المسْتبحر؛ فلعل هذا مظنة عدم إقبال العلماء على شرحه. إلا أن ذلك لم يمنع محمد بن أبي القاسم بن حمد الْمَشَذَّالي (ت ٨٦٦ هـ)، الفقيه المحقق من استدارك ما صرَّح ابن عرفة فيه في مختصره بعدم وجوده؛ في تأليف اختصر فيه أبحاث ابن عرفة في مختصره، المتعلقة بكلام ابن شاس وابن الحاجب، وشرحه مع زيادة شيء يسير في بعض المواضع مما لم يطلع عليه ابن عرفة في سِفْر، نحو ١٧ كراسا من القالب الكبير.
وقد سبق المشذالي، عيسى بنُ علال المصْمُودي الفاسي (ت ٨٢٣ هـ)، فاستدرك على مختصر ابن عرفة، ووضع تَعْلِيقَةً عليه.
ثم ألف ابن غازي "تكميل التقييد وتحليل التعقيد"، ومسمَّاه مغْن عن سيماه، ولكن الكتاب تُعُقِّب بقول محفوظ شهير: "أما التقييد فقد كمله، وأما التعقيد فما حلله".
وممن شرح المختصر شرحا وافيا جاء في مجلدات، ثم اختصر الشرح بعد ذلك، أبو العباس البسيلي، وسيأتي الحديث عنه.
[ ١ / ٨٦ ]
ومخطوطات الكتاب كثيرة، احتفل المطوي والبكوش في ذكرها (٣٥ نسخة من أجزاء متفرقة). وظهرت أخيرا نسخ عزب ذكرها عنهما، وهي كثيرة؛ فمنها:
- خزانة وزان:
- رقم ٨٩٠ (أول الكتاب - كتاب النكاح)، ت ن ٩٨١ هـ، خط مغربي مليح.
- رقم ٨٩١ (النكاح - بعض البيع).
- رقم ٨٩٢ (بقية البيع - كتاب الشركة).
- رقم ٩٨٠ (مبتور الأول؛ ج ٥) خط مغربي.
- المعهد الإسلامى بتطوان، رقم ٨٩٢. جزآن، غير تام.
- المختصر الشامل في أصول الدين.
عارض به "طوالع" البيضاوي، وأتم تأليفه في سنة ٧٨٩ هـ، وحقق د. سعد غراب فصل الإمامة، ونشره بحوليات الجامعة التونسية، عدد ٩، ١٩٧٢؛ [١٧٧ - ٢٣٤]. منه نسخ بتونس، وبالمغرب، وقفنا منها على ما يلي:
- ن خ م ع ف ٦٠٠.
- ن م خ ع ف ٥٥ ون خ ع ك ١.
- المختصر المنطقي:
وهو تأليف مدرسي تعليمي، قال عنه الوزير السَّرّاج: "فيه من القواعد ما يعجز عنه الفحول"، على صِغرِ جرمه.
[ ١ / ٨٧ ]
وقد حققه وقدم له د. سعْد غراب، ونشره مرْفقا بـ "جمل الخونجي"، تحت عنوان: "رسالتان في المنطق"، عن مركز الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية بتونس، ١٩٧٦، في ١٣٦ صفحة.
وقد استفاد منه البسيلي، وصرح بالنقل عنه في "التقييد الكبير"؛ مثاله قولُه: "قال شيخنا في "مختصره المنطقي": لو استلزم المحال مُحالا لما صَدَقَتْ قضية مُقَدَّمُها كاذبٌ، مع أنها قد تصدق وقد تكذب".
وممن شرح هذا المختصر:
(أ) محمد بن يوسف السنوسي (ت ٨٩٥ هـ)، ومخطوطاته كثيرة.
(ب) محمد الشافعي العوني (ت ١١٧٣ هـ)، وقد سماه: "نتائج الفكر في شرح المختصر"، توجد منه نسخة بدار الكتب الوطنية التونسية، رقمها ١٦٣٢٨.
ج) مجهول، يوجد شرحه بدار الكتب الناصرية، رقم ١٧٣٧، بخط مغربي، ولعله أن يكون أحد السابِقَيْن.
- شرح ابن الحاجب الأصلي:
نقل عنه الرصاع، وذكره التنبكتي وجان فونتان، ومحققا "كتاب العمر".
وقد أحال هذان الأخيران إلى الكتاب باعتباره موجودا، وعيَّنُوا مخطوطةً ظهر أنها شرح لأصلي ابن الحاجب لا المختصر الفقهي، وهي مخطوطةٌ فريدة بالخزانة الحسنية
[ ١ / ٨٨ ]
بالرباط، تحت رقم ٢٠٩١، وقد وقفتُ عليها، وهي في ٥٣٦ صفحة (٢٦٨ ورقة)، من القطع المتوسط، ٢٣ سطرا في كل صفحة، بمعدل ١٢ كلمة في كل سطر، تاريخ تمام تأليفه ١٥ ذي الحجة سنة ٧٩٩ هـ. والكتاب يحتاج إلى دراسة وافية لبيان قيمته، وإيفائه حقه.
- مختصر الحوفية في الفرائض:
وهو أول تآليفه. و"الحوفية" نسبة إلى الفرضي البارع أبي القاسم أحمد بن محمد بن خلف الحوفى الإشبيلي (ت ٥٨٨ هـ)؛ وهي مما بلغ فيه الغاية، تحصيلا لعلمها وتقريبا لأغراضها وضبطا لأصولها، وتيسيرا على ملتمسها.
ونسخ هذا الاختصار كثيرة، ذكرُها في "كتاب العمر". ولست أدري أشرح هي أم اختصار، تلك النسخة الوثقى بدار الكتب الناصرية، تحت رقم ١٨٦١؛ مبتورة الأول، بخط تونسي، وبأولها سماعُ محمد بن أحمد بن بلال اللوّاتي تلميذ المؤلف، بتاريخ ٥ شوال عام ٧٥٦ هـ. وفائدة هذا السماع، بيانُ أن تاريخ التأليف كان قبل سنة ٧٥٦ هـ إن لم يكن قبلها.
- الحدود الفقهية:
وجملتُها ٢٦٠ حدا، عرَّفَتِ الحقائق الشرعية المذكورة في كتب الفقه، شملت ٧٢ كتابا من "المبسوط"، بداية بكتاب الطهارة، وانتهاء بكتاب الفرائض.
[ ١ / ٨٩ ]
وتوجد مجردةً مخطوطة، بالخزانة الكَنونية نسخةٌ منها تحت رقم ١٠١٩٣. وهي التي شرحها الرصاع. والحق أن في عَدِّ هذا الكتاب تأليفا مستقلا بعضُ تسامح؛ لأن فرز الحدود ليس من عمل ابن عرفة، وإنما هو عملٌ إجرائي أقدم عليه الشراح.