ابنُ عَطيَّة: "كَانَ القُرْآنُ في مدةِ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُتَفَرِّقا في صُدُورِ الرجالِ".
قُلتُ: في صَحِيحِ مسْلِم: "جَمَعَ القرآنَ عَلَى عهْدِ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَرْبَعَةٌ كلُّهم من الأنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كعْبٍ، ومُعَاذُ بن جَبَلٍ، وزَيْدُ بنُ ثَاِبتٍ،
[ ٢ / ٣١ ]
ورجلٌ منَ الأنصارِ يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ"، وهُوَ مِن قولِ أنسِ بنِ مَالك".
قَال الْمازَرِي: "هَذَا الحديثُ مِمَّا ذَكَرَهُ بعض الملحِدَةِ في مَطَاعنِهَا، وحاوَلَتْ بذلك القدْحَ في الثِّقَةِ بنَقْلِ القُرآنِ ولا مُسْتَرْوحَ لها في ذلك؛ لأنَّا لوْ سلَّمْنا الأمرَ كمَا ظنُّوا وأنه لم يُكْمِلِ القرآنَ سوى أربعةٍ فقط، فقدْ حَفِظَ جميعَ أجْزَائِهِ مِئُونَ لَا يُحْصَوْنَ. وليس
[ ٢ / ٣٢ ]
مِنْ شرطِ كونِه مُتَواترًا أنْ يحفَظَ الكُلُّ الكُلَّ، بَلِ الشيءُ الكثيرُ إذَا رَوَى جُزْءًا منْهُ خلقٌ كثيرٌ، عُلِمَ ضَرُورةً وحَصَلَ متَواتِرًا؛ ولوْ أن:
قِفَا نَبْكِ [طويل]
رَوَى كل بيتٍ منهَا مائةُ رجلٍ مَثَلًا، لم يحفَظْ كلّ مائةٍ سوَى البيتِ الذِي روَتْهُ لكانتْ مُتَوَاتِرَةً؛ فَهَذَا الجوابُ عنْ قدْحِهِمْ.
وَأَمَّا الجوابُ عنْ سؤَالِ مَنْ سَأَلَ مِنَ الإسْلامِيِّينَ عنْ وجْهِ الحديثِ، فهُوَ أنْ يُقَالَ لَهُ: قدْ عُلِمَ ضرورةً مِنْ تَدَيّنِ الصًّحَابَةِ ومُبَادَرَتِهِم إلى الطاعَاتِ والقُرَبِ التي هي أدْنَى مَنْزِلَةً مِنْ حِفْظِ القُرْآنِ، مَا يُعْلَمُ منْه مع كثْرتِهِم استحالةُ ألا يحفظَهُ منْهم إلاَّ أرْبعةٌ. كيَف ونحنُ نَرَى أهلَ عصرِنا يحفظُه منْهم أُلُوفٌ لَا تُحْصَى؟، مَعَ نقْصِ رغبتِهِمْ في الخيْرِ عنْ رَغْبَةِ الصَّحَابَةِ. فَكَيْفَ بهمْ على جلالةِ قَدْرِهِمْ؟! وهَذَا مَعْلُومٌ بالعَادَةِ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ: وهُوَ أَنَّا نعلمُ أن القرآنَ كانَ عنْدَهُم منَ البَلاَغَةِ بحيثُ هُو، وَكَانَ كُفَّارُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْجَبُونَ مِنْ بلاغَتِهِ ويَحَارُونَ فِيها، فتارةً
[ ٢ / ٣٣ ]
ينْسُبُونَهُ إِلى السِّحْرِ، وتَارَةً ينسُبُونهُ إِلَى أَسَاطِيرِ الأولِين، ونحْنُ نَعلمُ مِنْ عادةِ العَرَبِ شدةَ حِرْصِهَا عَلَى الكَلاَمِ البَلِيغِ وتَحَفُّظِهَا لَه، ولَمْ يكُنْ لَهَا شُغْلٌ سِوَى ذَلك. فَلَوْ لم يكُنْ للصَّحَابَةِ بَاعِثٌ عَلَى حِفْظِ القُرْآنِ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لَكَانَ مِن أَدَلِّ الدَّلائلِ على أَن هذا الحديثَ ليسَ على ظاهِرِه، وأَنهُ مُتَأَوّلٌ.
وَطَريقٌ آخرُ: وهُو مَا ثَبَتَ في الأخبارِ بنَقْلِ الثِّقَاتِ، مِنْ كَثْرَةِ مَنْ حَفِظَ القُرْآنَ في زَمَنِ النبيِّ - ﷺ -. وقَدْ عَدَدْنَا مَنْ حَفِظْنَاه منْهُمْ، وَسَمَّيْنَا نحوَ خمسةَ عَشَرَ صاحِبًا مِمن نُقِلَ عنه حِفْظُ جميعِ القرآنِ في كتابِنَا الْمُتَرْجَمِ بِـ "قطْعِ لِسَانِ النَّابح في المتَرْجَمِ بالوَاضِحِ"، وهو كتابٌ نَقَضْنَا فيه كلامَ رجُلٍ وَصَفَ نفسَه بأنه كانَ مِنْ علماءِ المسْلِمِين، ثم ارْتَدَّ وأَخَذَ يُلَفِّقُ قَوَادِحَ في الإسْلامِ، فَتَقَضيْنَا أقوالَه في هذا الكتابِ وأشْبَعْنا القولَ في هذِه المسألةِ وبَسَطْناهُ في أوْراقٍ، وقدْ أشَرْنَا فيهِ إِلَى تَأويلاتٍ للحديثِ المذْكُورِ، وَذَكَرْنَا اضْطِرَابَ الرِّوايَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ فَمِنْهُم مَنْ
[ ٢ / ٣٤ ]
زَادَ فِي هَذَا الْعَدَدِ ومِنْهُم منْ نَقَصَ عنْهُ، ومِنْهُم مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَجْمَعَهُ أَحَدٌ، وأَنَّه قَدْ يُتَأَوَّلُ عَلَى أَن المرَادَ بِهِ لم يجمعْهُ بجميعِ قِراءَاتِهِ السَّبْع وفِقْهِهِ وأحكامِه ومنْسُوخِه سِوَى أرْبَعَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أيضًا أنْ يُرَادَ بِهِ أنَّهُ لمْ يذْكرْ أَحَدٌ عَن نفسِه أنهُ أكمَلَهُ في حياةِ النَّبِيِّ - ﷺ - سِوَى هؤلاءِ الأرْبَعَةِ؛ لأَن مَنْ أكْمَلَهُ إذ ذَاكَ غَيْرَهُم كانَ يَتَأَوَّل نزولَ القرآنِ مَا دَامَ - ﷺ - حيًّا، فقدْ لا يسْتَجِيزُ النُّطْقَ بأَنَّهُ أكمَلَه، وهؤلاء اسْتَجَازُوا ذلِك، ومُرَادُهُم أنهم أكمَلُوا الحاصِلَ منهُ، ويحتمل أَيْضًا أنْ يَكونَ مَنْ سِوَاهُمْ لم ينْطِقْ بإكْمَالِه خوفَ الرِّياءِ واحْتِيَاطًا عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ كَفِعْلِ الصَّالِحِين في كثيرٍ من اَلعبادات، وأَظْهَرَ هؤُلاءِ ذلِكَ لأَمْنِهِم على أنفسِهم.
وكَيف تعرفُ النَّقَلَةُ أنه لم يُكْمِلْه سوى أربعةٍ والصَّحَابةُ متفرِّقونَ في البلادِ؟. هَذَا أيْضًا لَا يُتَصَورُ حتَّى يلْقَى الناقِلُ كلَّ رجلٍ منهم فيخبِرَهُ عنْ نفسِه أنه لم يُكْمِلِ القُرْآنَ، وهذَا بعِيدٌ عادةً. وكيفَ وقدْ نَقَلَ الرُّوَاةُ إكمالَ بعضِ النِّسَاء لقراءتِه!؛ وقدِ اشتهرَ حديثُ عائشةَ وقولُها: "كنْتُ جَارِيَةً حديثةَ السِّنِّ لا أَقرأُ كثيرًا من القرآنِ". وأيضًا لم يُذْكَرْ في هذه الأربعةِ أبو بكرٍ وعمر، وكيفَ يحفظُ القرآنَ مَنْ سِوَاهما دُونَهُماَ؟!.
[ ٢ / ٣٥ ]
وأيضًا يحتملُ أنْ يكونَ أنسٌ أخبَرَ عن علْمِه، أو أرادَ مَنْ أكمَلَه مِنَ الأنصارِ وإِنْ كانَ قدْ أكملَه مِنَ المهاجرين خلقٌ كثيرٌ".
قلت: وهذا تأويلُ أبي عُمَرَ في "الاستيعاب"؛ انظُره في حرفِ القَافِ عند ذِكْرِهِ قَيْسَ بنَ السكن.
عياض: "لوْ لمْ يكنْ في بيانِ الغَرَضِ منْ هذَا الحديثِ ورَفْعِ
[ ٢ / ٣٦ ]
إشْكالِهِ إلاّ مَا تَوَاتَرَ بِهِ الْخَبَر، أنَّهُ قُتِلَ يومَ اليمامَةِ في خلافَةِ أبي بكرٍ سبعُونَ مِمَّنْ جَمَعَ القُرْآنَ، وهي سنة وفَاةِ النبِيِّ - ﷺ - وأَوَّلُ سِنِّي خلافةِ أبي بكرٍ فانْظُرْ مَن بِقيَ مِمَّنْ جَمَعَهُ مِمَّنْ لم يُقْتَلْ فيها ومِمَّن لم يحضُرْها وبَقِيَ بالمدينةِ ومكَّةَ وغيرِهِما مِنْ أرضِ الإسلامِ حِينئِذٍ! ".
[ ٢ / ٣٧ ]