قديما استشعر الفخر الرازي أن استغراقه في الاهتمام بالآيات الكونية وذكرِ نُبَذٍ من علم الهيئة والحساب والفلك وغيرها، قد يدفع نقّاده إلى وصفه بالتزيد والإكثار من ذلك؛ فاعتذر في تفسيره بقوله: "وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم، وذلك على خلاف المعتاد، فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته، وتقريره من وجوه:
- الأول: أن الله تعالى ملأ من كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار وذكر هذه الأمور في أكثر السور وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالها جائزا لما ملأ الله كتابه منها.
[ ١ / ١٨٥ ]
- الثاني: أنه تعالى قال: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ)، فهو حثٌّ على التأمل في أنه كيف بناها، ولا معنى لعلم الهيئة إلا التأمل في أنه كيف بناها وكيف خلق كل واحد منها.
- الثالث: أنه تعالى قال: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) فبين أن عجائب الخلقة وبدائع الفطرة في أجرام السماوات أكثر وأعظم وأكمل مما في أبدان الناس، ثم إنه تعالى رغب في التأمل في أبدان الناس بقوله: (وفى أنفسكم أفلا تبصرون)، فما كان أعلى شأنا منها أولى بأن يجب التأمل في أحوالها.
- الرابع: أنه تعالى مدح المتفكرين في خلق السماوات والأرض ولو كان ذلك ممنوعا لما فعل.
- الخامس: أن كل من كان وقوفه على دقائق كتابٍ ولطائفه أكثر، كان اعتقاده في عظمة ذلك المصنف وجلالته أكمل".
وإذا علمنا أن تفسير الرازي كان من مآخذ البسيلي الأولى، فهمنا أنه يشاطر الفخر أن إيراد الفوائد العلمية واللطائف الحكمية، ليس على سبيل التكثر، وإنما هي ضرورة دعته إليها طبيعة تفسير كتاب الله. وقد أورد في تفسيره جملا من مبادئ العلوم الكونية، استعان بها على إصابة المعنى المراد، فاستفاد من الهندسة والرياضيات وعلم الفلك والتوقيت.
فمن استغلاله لمبادئ علم الهندسة، استدلاله عند قوله الله تعالى: (عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ)، على أن ما حل بهم من العذاب لا ينتهي؛ لأنه عبر بالدائرة، وهي كما تقرر في الهندسة لا طرف لها ولا آخر.
[ ١ / ١٨٦ ]
وقد يفزع للاستدلال على معنى من المعاني بمقولات رياضية، مثلما فعل عند قوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ)؛ حيث قرر أن الذي أَصَاب قومَ نوح الغَرَقُ، والذِي أَصَابَ قوْمَ هودٍ الصَّيْحَةُ، والذي أَصابَ قومَ صالح الهلاَكُ. ثم ساق قول أقليدس: "الأشياءُ المساوية لشيءٍ واحدٍ مُتساوية"، واستشكلً ذلك بأن هذه متَبَاينةٌ، فكيْفَ يُصيبُهم مثْلُها؟. ثم أجاب أَنَّ المُماثَلَةَ في القدْرِ المشتَرَكِ بيْنهما، وهو مُطْلَقُ الإِهلاكِ.
ومما يدل على إلمامه بالرياضيات، إحالته على كتاب في الفن شهير، وهو "رفع الحجاب عن أعمال الحساب" لأبي العباس ابن البناء العددي المراكشي؛ والذي وصفه ابن خلدون بأنه مستغلق على المبتدئ بما فيه من البراهين الوثيقة المباني، وهو كتاب جليل؛ فقد قال البسيلي عند قوله جل وعز: (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة): "وفرق ابن البناء في "رفع الحجاب" بين العدد والعدة بأوجه؛ فانظره".
وهو يستفيد من علم الفلك أيضا، مثاله قوله بمناسبة تفسير قوله تعالى: (تُولِجُ الليلَ في اِلنَّهارِ): "إن قلت: في الآية رد على قول من قال إن وسط الأرض يستوي ليله ونهاره دائما، وأن بعض المواضع يدوم نهاره، وبعضها يدوم ليلها، فالجواب من وجهين:
- الأول: أن الآية مطلقة لا عامة. ويرد عليه أن الإطلاق في الإيلاج لا في لفظ الليل والنهار لتعريفهما بـ "أل" فيعم.
- الثاني: أن المقصود من الآية ذكر حال المعمور من الأرض دون غيره، ويرد عليه أن وسط الأرض وهو موضع خط الاستواء معمور أيضا، وأما ما بعده من جهة الجنوب، فقال بطليموس: "المعمور منه قدر ست عشرة درجة من الفلك".
[ ١ / ١٨٧ ]
وهو موفق في استثماره لهذا العلم، في حل المشكلات الفقهية، ومحاذاة تفسير كلام الله، فعند قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها)، يورد ما يلي: "سئل الفقيه المفتي أبو عبد الله محمد السكوني: كيف يتقرر الصيام بالنسبة إلى أهل الجزر الخالدات، الذين ليلهم ستة أشهر، ونهارهم ستة أشهر، فقال: لعلهم لم تبلغهم الدعوة!. قال بعضهم: بل الصواب أن يقال: إن الشمس إذا لاقت جزءا من الفلك الذي هو ثلاثمائة وستون درجة، فإذا عادت إلى محاذاة ذلك الجزء، فهي الدورة، وبها يحسبون الليل والنهار، وكذا إذا كان زمنهم كله ليلا أو كله نهارا".
والجدير بالذكر أن البسيلي لا يتابع فيما ترى الفخر أو غيره، بل يعتمد مصادره الخاصة، والتي يعرب عنها أحيانا، فقد ذكر من مآخذه النادرة: "رصد الشيخ عبد الخالق"، و"رمح" الرقام.
وحاصله أنه يستفيد من العلوم الكونية في توجيه معاني الآيات، ولكنه لا يُطغي هذا الجانب إلى حد يخرجه عن التفسير كما لوحظ عند الفخر، بل يطرز به كتابه، ويدلل به على مدى الانفتاح العلمي الذي بلغه علماء إفريقية في القرن الثامن والتاسع.