لا غِنى للمفسر عن تلمُّس معنى الآية في القرآن إنْ وُجِدَ، إيضاحًا لمبهم، أو تفصيلا لمجمل، أو دفْعا لتعارض، أو تدليلا لحكم، أو استظهارا لمعنى، وقد استغل البسيلي هذا المعطى ووظّفه خلال كتابه وإنْ بشكل محتشم، بيْدَ أنه لم يتضح عنده اتضاحا يصبغُ تفسيره بميسم أَثَرِيٍّ، وإنما كان يلتمع خلال الكتاب على استحياء.
وهو لا يلتزم عند ذكر الآية إيرادَها برُمَّتها، بل يقتصر في الجُلِّ على موضع الشاهد منها، حتى إذا طالتْ أطلق لفظ الآية تعويلا على القارئ الحافظ، وهو لا يذكرُ اسم السورة إلا لماما بلْه أن ينُصَّ على رقمها.
فتارة يأتي بآيات نظيرةٍ في اللفظ، مستقْريا وجودَها في القرآن، لإجرائها على وجهٍ واحد في التأويل، كما في قوله تعالى: (فَزَادَهُمُ)، حيث قال: "لَهَا نظائِرُ في آلِ عِمْرَان (فزَادَهُمْ إِيمَانًا)، وفيٍ الأَنفال (زَادَتْهُمْ إيمَانًا)، وفي بَرَاءَة (زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)، (فزَادَتْهُمْ رجْسا)، وفيِ مرْيم (وَيَزِيدُ اللهُ الذِينَ اهْتَدَوْا هُدى)، وفي النَحْل (زَدْنَاهُمْ عَذَابًا فوْقَ العَذَابِ)، وفي الأحْزَابِ (يُضَاعَفُ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْن)، وفي الفتح (لِيزْداَدُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ)، وفي
[ ١ / ١٢٩ ]
القتال (وَالذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً)، وفي المدثِّر (وَيَزْدَادُ الذِين آمَنُوا) ".
وحينًا يورِد نظير الآية في المعنى، كما في قوله تعالى: (قلَ اَتَخَذتُّمْ عِندَ اَللهِ عَهْدًا)، حيث قال: "ونظير هذه الآية قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة) الآية، إلى قوله: (قل هاتوا برهانكم) ". ومثل ذلك أيضا قوله عند قوله تعالى: (مَا خَلَقْت هَذا بَاطِلًا) إذ قال: "ومثلُ هذه الآية، (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ والارْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلاّ بالحقِّ) ولها نظائر". وكقوله عند قوله تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَ اَلْبَحْرَيْن حَاجِزًا): "هذا كقولِهِ: (مَرَجَ الْبَحْريْن يلْتَقِيَانِ بيْنَهُمَا بَرْزخ) ".
وقد يجمع بين التنظير اللفظي والمعنوي كما في قوله تعالى: (وَمَنَ اَظْلَمُ)، حيث قال: "وَقَع هذا اللفظُ في آيات، والجمعُ بينها بالتساوي".
[ ١ / ١٣٠ ]
وقد يأتي بالآية مفسِّرة لمصطلح شرعي، فقد استدل بقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)، على أن الخلق في الشرع قد يُطلق تارة على المخلوق، وتارة على "الإنشاء والاختراع والتكوين" كما في قوله تعالى: (إِنَّ في خَلْق اِلسَّماواتِ).
ولربما يأتي بالآية تخصِّصُ عمومَ أخرى، كصنيعِه عند قوله تعالى: (ليْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ)، فقد قال: "هذه أعمّ من آية (إتك لَا تَهْدِي مَن أَحْبَبْت)؛ لاقتضاء هذه نفيَ التكليف بالهداية، وإثباتَ القدرة عَليها لله تعالى؛ وتلك اقتضت نفي كون الهداية مقدورة له، وإثبات القدرة عليها لله تعالى". ومثل ذلك قوله عند قوله جل وعزٍ: (أوِ اِنفِرُوْا جَمِيعًا): "هى مخصوصة بآية (وَمَا كانَ المُومِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّة) ". وعند قوله تعالى: (إلا أَن تَفْعَلُوْا)، قال: "هو أعم من قوله: (وَأُولُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَى بِبَعْضٍ) وقال عند قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ): "يجب تخصيصه بقوله تعالى: (ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا)، كما خصص به صدر تلك الآية، وهو (وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله).
ومرة يأتي بآية تعضد ما استشفه من معنى في الآية، كما في قوله تعالى: (وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ اِلشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْر )، حيث قال: "الآية تدلّ على مَرْجوحية الاستعجال مطلقًا؛ كما في قوله: (إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ).
[ ١ / ١٣١ ]
وقد ينتقد تفسيرا للآية، فيستشهد على ما يخالفه بنص قرآني، كقوله عند قوله تعالى: (فَأَوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً): "قولُ ابنِ عطية: أضمر في نفسِه خيفةً، أعني أَدْركَ خيفة". صوابُهُ: تَصَوَّرَها في ذهنِه لَا أدْركَها؛ لقولهِ تعالى: (إِنّي لَا يخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ) ".
وهو حين يقرر قاعدة نحوية، يطلب لها شاهدا قرآنيا، كما في قوله: "لَوْ" إنما تِدخلُ على ما يُتوهم إخراجُه مما قبله، حسبما قاله النحويون في قولِه تعالى: (وَمَا أنتَ بِمُومِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقينَ).
وقد يوضّح فرقا لغويا، فينتصر له بالتعبير القرآني، كما فعل عند تفريقه بين الإفك والكذب، حيث قال في قوله سبحانه: (إِفْكٌ): "الإفْكُ ما خالفَ العلْمَ الضروريَّ، والكذِبُ ما خالفَ النَّظريَّ؛ ولِذا قالَ: (إِنَّ الذينَ جاءوا بالإفْكِ) ولَمْ يقلْ "بالكذِبِ".
وأحيانا يورد الآية للاستدلال بها على حكم فقهي، كقوله: "قلت: واستدل المالكية على أن العظام من أجزاء كل حيوان تابع للحمه؛ فمتى حكمنا للحم بالطهارة حكمنا بذلك للعظم، لأنه مما تحله الحياة، لقوله تعالى: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَةٍ) ".