إشبيلي الأصل، تونسي المولد، أبو زيد ولي الدين القاضي العلامة المؤرخ الحافظ.
ترجم له صديقُه ابن الخطيب في "الإحاطة" -وهو أعرف الناس به- فقال: كان فاضلا حسن الخلق جم الفضل، باهر الخصال رفيع القدر، ظاهر الحياء وقور المجلس، عالي الهمة قوي الجأش، طامح للرئاسة متقدم في فنون عقلية ونقلية متعدد المزايا،
[ ١ / ٩١ ]
سديد البحث، كثير الحفظ صحيح التصوّر، بارع الخط، مُغْرىً بالتَّجِلَّةِ جواد الكف حسن العشرة، من مفاخرالمغرب، من ذرية وائل ابن حُجْر.
قرأ على أبي عبد الله محمد ابن بُرَّال الأنصاري القراءات، وأخذ العربية عن والده، وأبي عبد الله بن العربي الحصَائرِي، وعلى أبي عبد الله محمد بن الشّواش الزَّلْزَالي، وعن أبي العباس أحمد بن القَصَّار، وأبي عبد الله محمد بن بحر، وشمس الدين أبى عبد الله محمد بن جابر القيسي الوادي آشي، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله الجَيَّاني، وأبي القاسم بن القصير، وأبي عبد الله محمد بن عبد السلام، وأبي عبد الله محمد السَّطِّي، وأبي محمد الحضرمي وأبي العباس أحمد الزواوي، وأبى عبد الله الآبِلِّي وغيرهم.
ولي العلامة بتونس، ثم ولى الكتابة بفاس لأبي عنان، وسجن سنة ٧٥٨ هـ، نحو عامين. ودخل بجاية، فراسله صاحبُها فدبَّرَ أمورَه، وبعد وفاته استدعاه صاحا تلمسان، ولم تطُلْ بها إقامتُه، ثم استدعاه عبد العزيز بفاس، فمات قبل دخوله إليها فقبض عليه ثم خلص فسار إلى مراكش، وتنقلت به الأحوال، ثم رجع إلى تونس سنة ٧٨٠ هـ فأكرمه سلطانها، ووقعت سِعايةٌ ضده لديه، فتحيَّنَ
[ ١ / ٩٢ ]
الفرصة وفَرَّ إلى المشرق في سنة ٧٨١ هـ، فنزل القاهرة وولي قضاء المالكية بها ثم عزل وولي مشيخة البيبرسية ثم عزل عنها، وولي القضاء مرارا آخرها في ٢٦ رمضان سنة ٨٠٨، فباشره ثمانية أيام، وأدْركه الحِمَام فجأة يوم الأربعاء، ودُفن بمقابر الصوفية.
وكان ممن رافق العسكر إلى تيمورلنك واجتمع به وأعجبه كلامه وبلاغته وحسن تَرَسُّلِه.
كان يسلك في إقرائه مسلك الأقدمين كالغزالي والرازي مع الغض على طريقة طلبة العجم، ويقول: إن اختصار الكتب في كل فن، والتعبُّدَ بالألفاظ على طريقة العَضُدِ وغيره من مُحْدَثَاتِ المتأخرين، والعلمُ مِنْ وراء ذلك كلِّه. وكان شاعرا أيضا، أورد هو لنفسه كثيرا من القصائد في "التعريف"، وساق جملة من ذلك، صاحب "عنوان الأريب".