لا تكاد نكتة أو تنبيه، على امتداد الكتاب من أن تخلو من مناقشة أو ملمح نحوي أو لغوي، وقد اعتمد البسيلي في ذلك على مصادر أصيلة أو خاصة بإعراب القرآن، وأحال على أعمدة اللغة والنحو في المدرستين الكوفية والبصرية.
ويمكن إجمال الخصائص التي طبعت تعامل المؤلف مع النحو واللغة في النقط التالية:
(أ) بيان معاني المفردات اللغوية وأصل اشتقاقها:
وقد تكون هذه المفردات قرآنية صرفة، أو أغربة وردت طي كتب التفسير، كما سيظهر في الأمثلة:
- قول البسيلي عند قوله تعالى: (وَلَقدَ اَخَذْناَهُم بالْعَذَابِ): "الزمخشري: وأخذهُمُ اللهُ بالسِّنيِن حتى أكَلُوا العِلْهِزَ؛ قلت: العلهز هَوَ الدَّمُ المخْتلطُ بالشعر، وقيل: هو القُرَاد".
- قوله عند قوله تعالى: (أَرْجِهِ): "قالوا: أي أَخِّرْه، فَظاهرُه التَرادُفُ.
ع: "أرجه" تأخيرٌ معَ الطَّمعِ في إِعْلالِهِ؛ لأنَّهُ مشتقٌّ منَ الرجاء، بخلافِ "أخِّرْه".
[ ١ / ١٥٥ ]
- قول المؤلف عند قول الله تبارك (وَأَنّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ): "هو التناول عن قريب".
- قول البسيلي عند قوله تعالى (أقسَطُ): "وقول الزمخشري: أقسط من قاسط؛ يُرَدُّ بأنَّ الاشتقاق من الفعل لا من اسم الفاعل. وقول ابن عطية: انظرْ هل هو مِن "قسُط" بالضم، لا يصحّ؛ إذْ لم يقلْ أحدٌ فيه".
- قول المؤلف عند قول الله جل وعز (وَلاَ تَهِنُوْا): "قولُ ابن عطية: هو من "وَهَنَ"، ومنه " المومِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ"؛ لم يتعقبه أبو حيان. ويُرَدُّ بأنَّ "وهن" معتلّ الفاء، و"هيِّن" معتل العين، فالمادة مختلفةٌ".
(ب) بيان الجوانب الصرفية.
- قوله عند قوله تعالى (الشهَوَات): "قولُ أبي البقاء: حُرِّكت الهاء لأنه اسمٌ غيرُ صفة؛ يوهِمُ منْعَ الإسكان، وهو جائزٌ؛ لأنه جمعُ "شهوة " معتل اللام؛ وليست لاَمَ أمْرٍ فيجوز فيها ثلاثة أوجه، منها وجهان يرجعان إلى واحد، وهما إِتْبَاعُ العين الفاءَ وفتحُ العين، حسبما بيَّنَه ابنُ عصفور في باب التثنية والجمع.
وقال ابن مالك:
وَمِثْلُ خُطْوَةٍ وسِدْرَةٍ أَتَتْ في جَمْعِهَا لُغى ثَلاَث رُوِيَت"
- قول البسيلي عند قوله جل وعز (بِغَيْرِ عَمَدٍ): أبو حيان: "عَمَد" اسم جمع لا جمع، ومن قال إنه جمع، أراد أنه يفيد ما يفيده الجمع، لا أنه جمع حقيقة". ثم قال: "ومفرده "عماد""، وهو خلاف قوله أولا لاقتضاء هذا أنه جمع.
والجواب أن مفرده "عماد"، لم يُبْنَ الجمعُ عليه".
[ ١ / ١٥٦ ]
(ج) بيان وجوه الإعراب في الآية:
- قول البسيلي عند قوله تعالى (إِذ تُصْعِدُونَ): "ضعَّف أبو حيان كونَ العامل فيه "اذْكر"؛ بأنه مستقبل، و"إذْ" ماض. ويُجاب بوجهين:
- أحدهما: أن عملَه فيه، عملُ المفعول لا عملُ الظرف.
- الثاني: التقدير: "اذكروا حالَكم إذْ تصعدون".
الزمخشري: "هو صفةٌ لـ "طائفة"، و"يظنون" صفة أخرى؛ أو حالٌ بمعنى "ظانين"؛ أو استئنافٌ للبيان للجملة قبلَها، و"يقولون" بدلٌ من "يظنون"".
ابن هشام في "المغني": "كأنه نسِيَ المبتدأ فلم يجعل له خبرا، أو رآه محذوفا، أي: "ومعكم طائفةٌ صفتُهم كيتَ وكيتَ".
والظاهر أن الجملةَ الأولى خبر، وسَوَّغَ الابتداءَ بالنكرة ثَمَّ صفةٌ مقدّرة، أي: "وطائفة مِن غيركم"، مثل "السَّمْنُ مَنَوَانِ بدرهم"، أي: مَنَوَانِ منه، أو اعتمادُه على واو الحال، كقوله في الحديث: "دَخَلَ عَلَيْهِ الصلاَةُ وَالكلاَمُ وَبرْمَةٌ عَلَى النارِ".
- قول البسيلي عند قوله تعالى (مَن تُدْخِل النَّارَ فقد اَخْزَيْتَهُ): "ذكر أبو حيان في إعراب "من" ثلاثة أوجه، ويحتمل رابعا، وهو أن يكون مبتدأ، والخبر "تدخل" وحده، على الوجه الضعيف في قوله:
كلُّه لم أصنع
بالرفع، وفي قوله:
فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أَجُر"
(د) بيان الفروق بين الكلمات:
- قول البسيلي عند قوله جل وعز (وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ): "التمحيص" تخليصُ شيء من شيء وتصفيتُه، فَنَاسَبَ تعليقُه بالمقصود من الإنسان
[ ١ / ١٥٧ ]
وهو القلبُ. وأما "الابتلاء" فراجعٌ إلى علم الله تعالى، فناسَب تعليقُه بالأعم وهو الصدرُ".
- قول البسيلي عند قوله جل وعز (أَمْ يَقُولُونَ اَفْتَراهُ) الآية "الفرقُ بين الافتراءِ والكذب أَنَّ متعلّق الافتراء القولُ، ومتعلقَ الكذبِ الفعل؛ مثالُه من قال: "قال زيد كذا" ولم يكن قاله فهو افتراءٌ، وإِنْ قال "قام زيد" ولم يقمْ فهو كذِبٌ. وذكر ابنُ عطية فرقًا آخر".