قوله: (لا للتراخي في الوقت).
قال أبو حيان: لأنه لا زمان إذ ذاك.
قال: وقيل: لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال من جعل الرواسي والبركة فيها وتقدير الأقوات عطف بثم لما بين خلق الأرض
[ ٢ / ١٧٥ ]
والاستواء، من تراخ.
قوله: (فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ أخف من قول الكشاف: يناقض. ففي الحاشية المشار إليها أنه مأخوذ عليه لما فيه من سوء الأدب في إيراد السؤال. واللائق أن يقول: ما وجه الجمع بين ذا وذاك؟
قوله: (فإنه يدل على تأخير دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء).
قال الشيخ سعد الدين: الجواب بأن يقدم خلق جرم الأرض على خلق السماء لا ينافي تأخر دحوها عنه ليس على ما ينبغي، لأن ثم تدل على تأخر خلق السماء عن خلق ما في الأرض من عجائب الصنع حتى أسباب اللذات والآلام وأنواع الحيوانات حتى الهوام، لا عن مجرد خلق جرم الأرض. وسيذكر في حم السجدة ما يدل على تأخر إيجاد السماء عن خلق الأرض ودحوها جميعا حتى قيل: إنه خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام ثم خلق السماء وما فيها في يومين، وكثير ذلك في الروايات فلا يفيد حمل ثم على تراخي الرتبة إلا أن يعول على رواية كون إيجاد السماء مقدما على إيجاد/ الأرض فضلا عن دحوها، على ما روى عن مقاتل، والأوجه، أن يحام حول تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ
[ ٢ / ١٧٦ ]
بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. انتهى.
وقال الإمام: ثم هنا من جهة تعديد النعم، كما تقول لصاحبك: أليس قد منحتك هذا ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم فثم على هذا مجاز، لمجرد التعاقب.
قلت: أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم، والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن سعيد بن جبير، قال جاء رجل إلى ابن عباس ﵄، فقال: أرأيت أشياء تختلف على من القرآن؟
قال: هات ما اختلف عليك من ذلك، قال أسمع الله تعالى يقول: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ حتى بلغ: ﴿طَائِعِينَ﴾ فبدأ بخلق الأرض في هذه الآية قبل خلق السماء، ثم قال في الآية الأخرى: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فبدأ بخلق السماء في هذه الآية قبل خلق الأرض، فقال: ابن عباس: أما قوله: خلق الأرض في يومين، فإن الأرض خلقت قبل السماء، فكانت السماء دخانا فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض، فقال ابن عباس
[ ٢ / ١٧٧ ]
: أما قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، يقول: جعل فيها، جبلا وجعل فيها نهرا، وجعل فيها، وجعل فيها شجرا، وجعل فيها بحورًا.
وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس، أن اليهود أتت النبي - ﷺ - فسألته عن خلق السموات والأرض، فقال: «خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الماء والشجر والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة أيام، فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾.
وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة» الحديث. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال، خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ
[ ٢ / ١٧٨ ]
فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.
قوله: (وهن، ضمير السماء إن فسرت بالأجرام، لأنه: جمع. قال الزجاج: وأحدها سماة. وقيل: سماوة.
وقوله: (أو في معنى الجمع) قال أبو حيان: أي اسم جنس يصدق إطلاقه على المفرد والجمع، ويكون مرادا به هنا الجمع.
قوله: (وإلا فمبهم يفسره ما بعده، كقوله: ربه رجلا).
قال أبو حيان: الضمير الذي يفسره ما بعده عندهم منحصر في ضمير الشأن، ومرفوع باب نعم، والمرفوع بأول المتنازعين، والمجرور برب والمجعول خبره مفسرا له كقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ والمبدل منه مفسره وما ذكره الزمخشري ليس واحدا منها، إلا أن يجعل سبع سموات بدلًا، وهو الذي يقتضيه تشبيهه بربه رجلا، فإنه ضمير مبهم: ليس عائدا على شيء قبله لكنه يضعف أيضا لعدم ارتباطه بما قبله ارتباطا كليا لاقتضائه أنه أخبر بأخبارين، أحدهما أنه استوى إلى السماء، والآخر أنه سوى سبع سموات. والظاهر أن الذي استوى إليه هو بعينه المسوى. وقال السفاقسي: الظاهر أنه قصد البدلية، لأنه فسر سوى بمعنى عدل وقوم، فيتعدى إلى واحد، فيتعين أن يكون سبع سموات بدلًا منه، ولولا ذلك لجاز أن يكون عنده بمعنى صيره ويكون المفعول الثاني مفسرا له لأنه خبر المبتدأ في الأصل فرجع إلى المبتدأ الذي يفسره الخبر
[ ٢ / ١٧٩ ]