قوله: (أو نجدها منسوخة)، قال أبو علي الفارسي: قراءة ابن عامر مشكلة؛ لأنه لا يقال نسخ وانتسخ بمعنى ولا الهمزة للتعدية، فلم يبق إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخا، كما يقال: أحمدت الرجل إذا وجدته محمودًا وانحلته إذا وجدته نحيلا، قال: وليس نجده منسوخا إلا بأن ينسخه، فتتفق القراءتان في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ. انتهى.
قوله: (واحتج بها من منع النسخ) إلي آخره، ما ذكره من تضعيف نسخ الكتاب بالسنة مردود، فإن المانع لذلك هو الإمام الشافعي، قال الطيبي: ذهب الإمام الشافعي إلى منع نسخ القرآن بالخبر، وهو موافق لما رواه الدارقطني عن جابر ﵁ مرفوعا: (كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ بعضه بعضا)، قال: رخيص يخفى
[ ٢ / ٢٩٣ ]
على مثل الإمام هذا المعنى؟ وهو من أعلام المجتهدين وقد قال ابن الصلاح: أعيا الفقهاء وأعجزهم معرفة الناسخ من المنسوخ. وكان للشافعي اليد الطولى والسابقة الأولى. وقال الإمام أحمد ابن حنبل: ما عرفنا المجمل من المفصل، ولا الناسخ من المنسوخ حتى جالسنا الشافعى، والاية شاهدة لذلك لأن الناسخ لابد أن يكون خيرًا من المنسوخ أو مثله لقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ والسنة ليست بخير من القرءان ولا مثله، والضمير في نأت: لله، فيكون الأتي بالناسخ هو الله، وجوابهم عن الأول بأن المراد نسخ الحكم، لا اللفظ، ويجوز أن يكون حكم السنة خيرًا من حكم القرآن أو مثلا له، باعتبار كونه أصلح للمكلف، وعن الثاني، بأنه يصح إطلاق قوله، نأت، على ما أتى به الرسول - ﷺ -؛ لأنه أيضا من عند الله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ مردود. أما الأول: فتخصيص بغير مخصص، على أن الآية ورودها في شأن أهل الكتاب وردوداتهم أن لا ينزل الله على رسوله هذا الكتاب الشريف وينسخ به كتابهم لفظا وحكما، ورد بأنه - ﷺ - اختص به دونهم، وأنه - ﷺ - هو الذي يبدله من تلقاء نفسه بشهادة سبب النزول، وأما الثاني، فيلزم منه فك التركيب وارتكاب المحذور. أما فك التركيب: فإن الضمائر في: ننسخ وننسأها دالة على تعظيم الفاعل، ومنادية على جلالته واستبداده بما فعله، فإذا دخل الغير يفوت الغرض المطلوب، ولا شك أنه لا مدخل لرسول الله - ﷺ - في ننسأها. فإذا فرق الضمائر ينخرم النظم، وإن ضمير الخطاب، في ألم تعلم إذا خص بالنبي - ﷺ - أو أعم، والاستفهام المفيد للتقرير ينافي استدراكه - ﷺ - في تلك الضمائر، وكذا وضع الظاهر موضع المضمر
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وتخصيصه بذكر اسم الذات، في قوله: إن الله متكررًا، وأما ارتكاب المحذور فهو إذا جعل الفاعل في قوله تعالى: ننسخ، وتأت، لله تعالى والغير، فلا يخلو، إما أن يكون حقيقة فيه دون الله سبحانه، أو مجازًا، أو مشتركا بينهما، والكل باطل، أما بطلان الأول والثاني فظاهر؛ لأنه يستلزم إرادة الحقيقة والمجاز معا، وأما الثالث فيستلزم تعدد الفاعل، وحينئذ يفوت التعظيم المطلوب، وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، فضعيف لأن الكلام هنا في المنزل، لأن الكفار كانوا ينسبون إلى الجن، ويسمون قائله مجنونا بشهادة الآيات المناسبة لها، كقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، الآيات وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾، ولهذا عقبه بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾، فإذا لا تدخل في المعنى، للأحاديث الواردة منه - ﷺ -. وأما ما نقله ابن الحاجب عنهم، إن قوله - ﷺ -: «ولا وصية لوارث» نسخ الوصية للوالدين والأقربين، والرجم للمحصن نسخ الجلد، فضعيف أيضا، لما ذكره الشافعي، إن الوصية للأقربين منسوخة بأية الميراث، وأن الرجم كان قرآنا، ونسخ رسمه، فأول حديث الوصية، «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» أخرجه أبو داود والترمذي، فقوله: أعطى كل ذي حق
[ ٢ / ٢٩٥ ]