أمر الله بالدعوة وبالجدال على الوجه المذكور، فكلاهما واجب على المسلمين أن يقوموا به، فكما يجب لسبيل الرب ﷻ أن تعرف بالبيان بالحكمة، وأن تحب بالترغيب بالموعظة الحسنة، كذلك يجب أن يدافع من يصدُّون عنها بالتي هي أحسن. إذ لا قيام لشيء من الحق إلا بهذه الثلاث. غير أنَّ الدَّعوة بوجهيهما والجدال ليستا في منزلة واحدة في القصد والدوام. فإن المقصود بالذات هو
_________________
(١) ١٢٥/ ١٦ النحل.
[ ١ / ١٩٠ ]
الدعوة وأما الجدال فإنه غير مقصود بالذات وإنما يجب عند وجود المعارض بالشبهة والصادِّ بالباطل عن سبيل الله. فالدعوة بوجهيهما أصل قائم دائم، والجدال يكون عند وجود ما يقتضيه. ولهذا كانت الدعوة بوجهيهما محمودة على كل حال، وكان الجدال مذمومًا في بعض الأحوال، وذلك فيما إذا استعمل عند عدم الحاجة إليه، فيكون حينئذ شاغلًا عن الدعوة ومؤديًا- في الأكثر- إلى الفساد والفتنة. فإذا كان جدالًا لمجرد الغلبة والظهور فهو شر كله وأشد شرًا منه إذا كان لمدافعة الحق بالباطل، وفي هذه الأقسام الممنوعة جاء مثل قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ (*) ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾. وقوله (١) - ﷺ -: (ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل). ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٢)