ظهرت جماعة صغيرة لائيكية "علمانية" مفرنسة بصحافتها وجمعياتها وصداقاتها وبمطالبها التي تعتبرها "تقدمية" واعتمد هؤلاء الشبان الجزائريون على بعض الأحرار من الفرنسيين أمثال بول بورد: Paul Bourde والبان روزي Albin rozet (٢) وكانت هذه الفئة لا تطالب
_________________
(١) ن. م. ص ١٣٤.
(٢) CH. Robert Ageron، Histoire de l'Algérie Contemporaine، Presses Universitaires de France. Paris، ١٩٦٤ P. ٧١ et la Naissance du Nationalisme .٢٠.Algérien، par André Nousalle P
[ ١ / ٥١ ]
بمجرد المساواة مع الفرنسيين بل وبالإندماج التام (١) ثم انقسمت هذه الفئة إلى قسمين: قسم يطالب بالمواطنية الفرنسية دون الإرتباط بالقوانين الإسلامية الشخصية، وقسم يطالب بالمساواة السياسية مع بقاء التعامل بالقانون الإسلامي. ويمثل القسم الأخير حفيد الأمير عبد القادر الأمير خالد بن الهاشمي (٢) الذي عرض برنامجه في جريدة "الإقدام" وبصفة عامة، فإن هذه النزعة تهدف إلى فصل الدين عن الدولة مقلدة في ذلك تركيا الفتاة التي كان لثورتها صدى في الجزائر، ويقود هذه الحركة ويمثل هذه النزعة معلمون في المدارس الابتدائية وطلبة في المدارس الفرنسية وموظفون لدى الحكومة الفرنسية ومن النواب وغيرهم ممن يجيدون اللغة الفرنسية ويستعملونها وسيلة لصحافتهم. وأشهر الصحف التي تعبر عن أفكارهم هي:
١ - الصوت الأهلي تصدر في قسنطينة ويديرها ربيع الزناتي: La Voix Indigène.
٢- صوت المتواضعين تصدر في الجزائر العاصمة ويديرها عمر قندوز (٣). La voix des humbles
ويحلو للمستشرق ماسينيون أن يذكر لنا أن اللغة الفرنسية أصبحت أداة للفكر الإسلامي لا في الناحية السياسية فحسب بل وفي الناحية
_________________
(١) هذه جملة من الكتاب الأخير تصور مطلبهم: L'assimilation la plus complète، c'est - à - dire l'entrée dans la cité française
(٢) توفي ٩ يناير سنة ١٩٣٦م- ١٣٥٤هـ بدمشق بعد محاكمته في باريس وخروجه منها رثاه أحمد توفيق المدني وكتب عنه في مجلة الشهاب ج١١، م١١، ص٦٣٠ كتب الأمير خالد مقالًا في جريدة النجاح تحت عنوان: مسألة الخلافة في المؤتمر الإسلامي العام عدد ٢٨١٨٤ نوفمبر ١٩٢٤م.
(٣) وجهة الإسلام (إفريقيا لماسينيون) القاهرة ص ٦٠
[ ١ / ٥٢ ]
الدينية. ويضرب لنا مثلًا بما قام به الأستاذ أحمد ليميش من ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية ترجمة يحوطها التقديس والشعور الإسلامي الصادق رغم أنها لم تبلغ غايتها من الجودة كأنه يعد هذا انتصارًا للحضارة الأوروبية. ومنهم من كتب قائلًا: "الجزائر أرض فرنسية. نحن فرنسيون مع الإحتفاظ بقانون الأحوال الشخصية الإسلامي لا يوجد في الكتاب المقدس ما يمنع جزائريًا مسلمًا من أن تكون جنسيته- فرنسية- .. الخ (٢) بل إنه عبر عن الوحدة الوجودية بينه وبين فرنسا فقال: "أنا فرنسا"!
كما كان هناك أتباع الطرق الصوفية وترجع في أغلبها إلى طوائف ثلاث (٣):
أ- الطائفة العليوية التي يرأسها الشيخ أحمد بن عليوه في مستغانم. وهي طائفة متشعبة عن الطريقة الدرقاوية، ولهذه الحركة الصوفية صحيفة تعبر عن أفكارها المعارضة للحركة الإصلاحية التي يمثلها الشيخ عبد الحميد بن باديس وهي جريدة "البلاغ".
ب- طائفة درقاوية أخرى يرأسها غلام الله في مدينة تيارت يدعو صاحبها إلى سياسة الإتفاق الديني بين الإسلام وفرنسا (٤).
_________________
(١) م. ن.
(٢) هو السيد فرحات عباس الذي كتب، "الشباب الجزائري": " L'Algérie est terre française. Nous sommes des français avec le Statut Personnel musulman () Il n'y a rien dans le Livre Saint qui puisse empêcher un algérien musulman d'être nationellements un français، aux bras forts، à l'intelligence éveillée، au coeur loyal conscient de la solidarité nationale. Il n'y a rien، sinon la colonisation.» voir Ia Naissance du Nationalisme algérien، P.٦٣
(٣) وجهة الإسلام ص ٦١.
(٤) وضع "الاتفاق الديني"، سنة ١٩٣٠
[ ١ / ٥٣ ]
جـ- طائفة التيجانية تتكون من كبار الموظفين والأغنياء والتجار وقامت بدعاية بلغ نشاطها باريس وأقامت هناك مسجدًا، والواقع أن هذا الفرع قوي في مراكش أكثر من الجزائر. وأما الطريقة السنوسية (١) فقد أضعفتها المجازر التي سلطتها عليها إيطاليا وكادت أن تودي بها. والحقيقة أن الحركة الأساسية التي تمثل آمال الشعب الجزائري وتعبر عن شخصيته هي الحركة السلفية. التي يمثلها ابن باديس وزملاؤه ويصفها المستشرق ماسينيون بأنها حركة متشددة نصف وهابية ويعتبرها فرعًا أو شعبة من الحركة التي تمثلها "المنار" في القاهرة. ويذكر أن ابن باديس وثيق الصلة بالحركة في مصر مترسم لخطاها ويعترف بأن لهذه الحركة السلفية تأثيرًا لما ينطوي عليه برنامجها من الرجوع إلى تعاليم القرآن بالرغم من أنه يقلل من شأنها من ناحية أخرى فيقول: "إن هذا الحزب لا ينتمي إليه حتى الآن إلا شرذمة قليلة في مدن المغرب" والظاهرة التي تلفت النظر أنه يذكر لنا وهو المتتبع لحركات المسلمين وسكناتهم أن حركة ابن باديس لها أتباع في الرباط من أعمال مراكش فيقول: (ومن أتباع هذا الحزب جرثومة صغيرة ولكنها مترعرعة في رباط من أعمال مراكش) (٢) ولسان حال هذا الحزب أو هذه الحركة هو مجلة "الشهاب" الصادرة بقسنطينة ويديرها الشيخ عبد الحميد بن باديس. وسيأتي تفصيل القول في ذلك.
_________________
(١) وكان للسنوسية في الجزائر ألف تابع. وأكبر الطرق عددًا هي الطريقة الرحمانية التي أسسها سيدي محمد بن عبد الرحمن واتباعها ١٥٦ ألف رجل و١٣ ألف امرأة. وأتباع التيجانية التي يقيم شيخها في عين ماضي ٢٦ الف. والطريقة الدرقاوية المشهورة بالشدة والإشتراك في جميع الثورات التي ثارت على الفرنسيين لها ٩ آلاف. والشيخية أولاد سيدي الشيخ ١٠ آلاف.
(٢) وجهة الإسلام ص ٦٠ - ٦١.
[ ١ / ٥٤ ]