تمر على العبد أحوال يكون فيها متحيرًا مرتبكًا كمن يكون في ظلام، منها حالة الكفر والإنكار، وليس لمنكر الحق المتمسك بالهوى والمقلد للآباء من دليل يطمئن به ولا يقين بالمصير الذي ينتهي إليه. ومنها حالة الشكِّ ومنها حالة اعتراض الشبهات ومنها حالة ثوران الشهوات، وكما أن الله يرشد ويوفق من اتبعوا رضوانه طرق السلامة والنجاة بالرسول - ﷺ - والقرآن، كذلك يخرجهم بهما باتباعهما والإهتداء بهما من ظلمات الكفر والشك والشبهات والشهوات وما فيها من حيرة وعماية إلى الحالة التي تطمئن فيها القلوب كما تطمئن
_________________
(١) ١٨/ ٥ المائدة.
[ ١ / ١٧١ ]
في النور عندما يسطع فيبدد سدول الظلام. فباتباعهما فقط تطمئن القلوب بالإيمان واليقين، فتضمحل أمامها الشبهات وتكسر سلطان الشهوات. فتلك الأحوال العديدة الظلمانية التي يكون فيها من أعراض عنهما أو خالفهما يخرج منها إلى الحالة النورانية الوحيدة وهي حالة من آمن بهما واتبعهما كما قال تعالى:
﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
على العبد أن يقبل ما فيه كماله وسعادته ومرضاة خالقه مما هداه الله إليه برسوله وكتابه وجعل قبوله له سببًا في توفيقه وإخراجه من الظلمات إلى النور، وعليه أن يعتقد أنه لا ينال شيئًا من التوفيق وحظًا من النور إلا بإذن الله، أي إرادته وتيسيره، فلا يعتمد على نفسه ولا على أعماله، وإنما يكون اعتماده على الله، فيحمله ذلك على الإجتهاد في العمل وعدم العجب به ودوام التوجه إلى الله وصدق الرجاء فيه والخوف من عقابه ودوام المراقبة له. ولأجل لزوم هذا الإعتماد على الله الميسر للأسباب الذي لا يكون في ملكه إلا ما أراد- قارن قوله ﴿يَهْدِي﴾ و﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ بقوله ﴿بِإِذْنِهِ﴾.