كتاب "الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية" لمجهول. وغير هذا كثير مما يتعلق باللغة والأدب والتراجم والرحلات. وقد كتب في مجلة "الشهاب" لابن باديس بحثًا ولما توفي (١) قال فيه: "لما عرفناه فقدناه".
ومن الذين شاركوا في هذه الحركة التاريخية الشيخ مبارك الميلي الذي ألف كتابه تاريخ الجزائر في القديم والحديث في سنة ١٣٤٧هـ (١٩٢٩) وقرظه الشيخ عبد الحميد بن باديس برسالة مؤرخة بـ (١٥ - ١ - ١٣٤٧هـ) (٢) والشيخ أحمد توفيق المدني الذي ألف كتاب الجزائر في سنة ١٣٥٠هـ (١٩٣١) وكتاب "محمد عثمان باشا" الذي أهداه (٣) إلى الشيخ عبد الحميد بن باديس وكتب الأخير تقريظًا له في مجلة الشهاب (٤) أيضًا.
-٢ -
والحياة الإجتماعية والدينية كانت في تدهور وخمود مما دعا إلى رد الفعل ونشوء الحركات الإصلاحية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين. يقول المؤرخ الجزائري إسماعيل حامت: "كان للإلحاد الغربي مبلغ كبير من التأثير في جمهورٍ ليس بالقليل من مسلمي الجزائر الذين وإن كانوا ما برحوا مسلمين في الظاهر
_________________
(١) توفي بالجزائر في ٢٤ شعبان سنة ١٣٤٧هـ (١٩٢٩م) وقبره معروف بمقبرة سيدي عبد الرحمن الثعالبي.
(٢) نشرت في ج ٢ ص ٧ طبعة بيروت ١٩٦٣م.
(٣) الإهداء مؤرخ ١٥ محرم ١٣٥٦هـ ص ٢ من الكتاب المذكور.
(٤) ش: ج ٧ م ٢٣ ص ٣١٩ - ٣٢١ شعبان ١٣٥٦ سبتمبر ١٩٣٧م.
[ ١ / ٤٧ ]
فهم يجهلون حدَّ ما وصلت إليه روحهم الدينية من الثلاشي. إن هؤلاء لا ينكرون الإسلام دينهم ومعتقدهم غير أنهم قد أضحوا من فتور الغيرة الدينية في نفوسهم بحيث غدوا لا يبالون البتة بنشره في الناس وبالدعوة إليه في غير المسلمين فالإسلام عندهم إنما هو مقصور على من يأتي بعدهم من الأولاد والأحفاد فحسب وليس يتناول أحدًا سواهم من الخلق أجمعين. فالحق أن الإسلام لبراء ممَّا هم فاعلون. وليس ذلك هو الحرية الفكرية على ما يزعمون بل إنما هو الفتور فالتلاشي (١) " هذا ضمير جزائري يأسى ويأسف للحالة التي أصبح عليها المسلمون الجزائريون من الاتجاه الإلحادي ومن القعود عن الدعوة الإسلامية.
وهذا رحالة بلجيكي يصف الجزائر قبيل الحرب العالمية مشيرًا إلى الأفكار الغربية التي أخذت تتسرب إلى الجزائريين وخصوصًا طبقة العمال: «إن الإسلام ليرى متمزقًا تمزق"الثوب البالي" على أرصفة الجزائر، فعمّال المرفأ ونقلة الفحم وساقة الآلات البخارية على اختلاف جنسيتهم عادوا لا يبالون بالإسلام، بل ترى فيهم صبغة آداب العمال الأوربيين راسخة وهم يشتركون مع زملائهم العمال الغربيين في السعي وراء الغرض ونيل الغاية اشتراكًا قائمًا على أساس واحد هو وجوب مقاومة أرباب رؤوس الأموال ونزاعهم نزاعًا إقتصاديًا، فلو كان في الجزائر معامل مثل تلك التي في أوروبا لاختفى الإسلام السني من تلك الديار
_________________
(١) لوثروب ستودارد، حاضر العالم الإسلامي القاهرة ج ١ ص ٥٤ نقلًا عن كتاب: ،١٩٠٦ Ismail Hamet -les musulmans du Nord de l'Afrique Paris والمؤلف (اسماعيل حامت) وهو صاحب تلك الكلمة القيمة: "لا تقاس حضارة أمة بما في كتبها الدينية من السطور والعبارات بل بما تقوم به تلك الأمة من الأعمال" وهو رأي استشهد به لوثروب الأمريكي في كتابه المذكور ووصفه بأنه مصلح مسلم جزائري ووصف له قوله بالسداد ج ١ ص ٤٨.
[ ١ / ٤٨ ]
المغربية اختفاء الكاثوليكية القديمة من ديارنا أمام تيار الصناعة وثورتها الكبرى» (١) ولا يخفى على القاريء كيف حاول هذا السائح الأوروبي تصوير الجزائر تصويرًا متأثرًا فيه بتاريخ المسيحية في بلاده وبالصراع الطبقي الذي نشأ فيها لوجود التقدم الصناعي، وعمَّم ما رآه في مرسى الجزائر على المجتمع الإسلامي الجزائري كله. ومهما يكن من أمر فإن المسألة لا تعدو أن تكون شهادة عابرة لسائح ابن سبيل.
والواقع أن السياسة الاستعمارية الفرنسية فيما يتعلق بالناحية التربوية التعلمية كانت ترمي إلى تكوين جماعات منفصلة عن مقومات الشخصية الإسلامية العربية وإلى تحويل الشعب الجزائري كله وإدماجه في الحضارة الأوروبية والثقافة الفرنسية عن طريق نشر اللغة الفرنسية، ومقاومة الشريعة الإسلامية التي ترى أنها هي العقبة الوحيدة التي تحول دون الإندماج ولذلك فإنها تشترط فيمن يتمتع بالحقوق الفرنسية أن يتجنس. ويتضمن التجنيس عدم الارتباط بالقانون الإسلامي، بل أكثر من ذلك فإن كثيرًا من الحقوق لا ينالها إلا النصراني، فأصبح التنصر بذلك طريقًا إلى التمتع ببعض الحقوق، ولم يَرْقَ الجنرال يوسف رتبة جنرال إلا على هذا الشرط (٢).
ورسمت السياسة الفرنسية وسيلة أخرى تعتقد أنها ستربح بها اللعبة وهي بَثُّ الخلاف بين عناصر المجتمع الجزائري، بين العرب والبربر. وحاولوا أن يقنعوا البربر بأنهم من سلالة أورويية وأن لهم لغة خاصة لا ينبغي التفريط فيها، وأن يمنعوا تعليم العربية للبربر.
_________________
(١) المصدر السابق ج ٢ ص ٢٩٩.
(٢) تعليق الأمير شكيب أرسلان على "حاضر العالم الإسلامي" ج ١ ص ٨٦.
[ ١ / ٤٩ ]
يقول أحد المختصين (١) بهذه المسألة: "إن العالم المختص في أمور البربر المسيو دوتيه" الذي جال بين قبائل البربر نوَّه بمحاسن سجايا هذا الشعب البربري وقال: إن به مناط الآمال في إفريقيا إنه شعب يظهر عليه الميل من نفسه إلى المدنية الفرنسية (٢) لذلك يجب علينا قبل كل شيء أن لا نعرِّبه أكثر ممَّا هو ولأجل بلوغ هذه الغاية يجب أن يحمل البربر على الثقافة الفرنسية أو أن يتكلموا بالفرنساوي قبل وصول الثقافة العربية واللسان العربي إليهم، وعلى هذا الشكل يتحقق بلا ريب- أكثر ممّا هو مظنون- خيالنا العظيم بمراكش فرنسية وفي النية تأسيس مكاتب فرنسوية بربرية في الجهات التي لم تستعرب من بلاد البربر، وهذا تصور حسن جدًا فإذا كانت بلاد القبائل من الجزائر ليس فيها إلا بعض أقوام من البربر، فإن قسمًا عظيمًا من أهل المغرب الأقصى، لا يعرفون العربية، أو يتكلمون اللغتين البربرية والعربية، وليس لنا أدنى مصلحة أن ننشر بينهم اللغة العربية، لغة الجامعة الإسلامية، بل بالعكس" (٣) وقصة الظهير البربري (٤) أشهر من أن نفصل القول عنها بالإضافة إلى مئات الكتب باللغة البربرية بجميع لهجاتها. والمستشرق الفرنسي ماسيينون نفسه ألقى محاضرة في سنة ١٩٢٧م بمعهد كوليج دي فرانس: تحت عنوان "الوحدة البربرية" (٥).
_________________
(١) هو فيكتور بيكي Victor Piquet مستشهدا برأي مختص آخر هو (دوته Douté)
(٢) أنظر هذا الزعم العلمي!
(٣) أنظر ترجمة هذا النص في حاضر العالم الإسلامي ج ١ ص٨٧ ٣٠٢. Victor Piquet - Le Maroc - Paris ١٨١٨ P
(٤) صدر في١٦ مايو سنة ١٩٣٠.
(٥) عثمان الكعاك، البربر، تونس١٩٥٦ ص ١٢٩
[ ١ / ٥٠ ]
وأسس الفرنسيون بالمغرب الأقصى، معهد البحوث العليا المغربية، للدراسات البربرية وخصصوا لذلك مجلة "هيبريس" والواقع أن هذه المحاولات لتمزيق الشعب الواحد لم تقتصر على المغرب الأقصى، بل شملت الجزائر وتونس وطرابلس من طرف ايطاليا- واكتست المحاولات طابعًا علميًا في ظاهرها. ففي تونس قام طبيبان بتأليف كتاب ضخم في مقاييس جماجم البربر وأوصافهم وسماتهم العضوية العرقية،
مع مقارنة بسِمات ومقاييس جماجم الغاليين (١) وفرض الإستعمار على أبناء المدارس المسلمين الجزائريين أن ينشدوا: "كان أجدادنا من الغاليين وكانت بلادنا في القديم تسمى غاليا"، وأن يتشرفوا بالإنتساب إليهم! والغرض من هذه المحاولات إنما هو الإدماج، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. وفعلًا فقد نبتت طائفة من هذه المدارس تدعو إليه، وتتحمس له بالرغم من معارضة الغلاة من الإستعماريين لهذا الإدماج الذي يجعل المسلمين متساويين في الحقوق مع الفرنسيبن، وهذا ما لا يمكن أن يتصوروه في عقولهم.
في الربع الأول من القرن العشرين تطورت ردود الأفعال على الأوضاع الإجتماعية والأخلاقية والسياسية التي تحياها الجزائر.