٢ - الذكر حضور الشيء في القلب الحضور الثاني بعد زواله منه المسبوق بحضور متقدم. هذه حقيقته. وقد يطلق على الحضور الأول توسعًا. وزواله بعد حضور هو النسيان. فهما ضدان. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ (١)﴾.
_________________
(١) ٦٤/ ١٨ الكهف.
[ ١ / ١٢٩ ]
وفي مثل: ذَكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وَكُنْتُ نَاسِيَا (١).
٣ - فالمعنى الأصلي للذكر محلُّه القلب، إذ القلب محل ضده النسيان، والضدان إنما يتضادان في محل واحد، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا (٢)﴾ أي جعلنا قلبه غافلًا عن ذكرنا. فالغفلة في القلب والذكر في القلب. وأخوات الذكر- كالذكرى، والتذكير والذُكر، بضم الذال،- كلها من أعمال القلب، وهو مثلها. وأما الصمت الذي هو من شأن اللسان فليس ضدًا له كما قد قيل، وإنما هو ضد في كلام العرب لأعمال لسانية كالنطق في قولهم في المال (ناطق وصامت) وما في الحديث: "فليقل خيرًا أو ليصمت".
٤ - ثم يطلق الذكر إطلاقًا شائعًا على ما يجري على اللسان مما يخبر به عما في القلب ويعبر عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾.
وسمى الله- تعالى- القرآن ذكرًا كما في قوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ (٤)﴾ لأن آياته متلوَّة بالألسنة ومعانيه حاضرة في القلوب. ومثله في هذه التسمية كلمات التسبيح والحمد والتهليل والتكبير من جميع الأذكار. ويقال في كل عمل من أعمال الطاعة ذكر، لأنها كلها مرتبطة
_________________
(١) أنظر مجمع الأمثال ٢٧٩/ ١، المثل رقم ١٤٦٩ وتمامه: ردوا على أقربها الأقاصيا إنَّ لها بالمشرفيّ حاديًا ذكَّرتْني الطَّعن وكنت ناسيا
(٢) ٢٨/ ١٨ الكهف.
(٣) ٣/ ٣٧ الصافات.
(٤) ٢١/ ٥٠ الأنبياء.
[ ١ / ١٣٠ ]
بذكر القلب ومن ثمراته. وسمى الله- تعالى- نبيّه - ﷺ - ذكرًا في قوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَسُولًا (١)﴾ لأنه مخبر عن ربه ومبلغ للذكر، أو لأنه هو﵌- يذكر في الصلاة عليه والحديث، وفي سيره وشمائله بالألسنة والقلوب. وعبر عن إرساله بالإنزال لأن رسالته وحي من العلي الأعلى، وأعظم رحمة نزلت من السماء. وسمي الله الآيات الكونية المشاهدة ذكرًا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (٢)﴾ لأنها تحدث الذكر في القلب كما تحدثه آياته المتلوة التي تسمى أيضًا ذكرًا. فالمعنى أنه كما لم يكن لهم ذكر في قلوبهم من الآيات المتلوة، لأنهم كانوا لا يستطيعون سمعًا، كذلك لم يكن لهم من الآيات المرئية لأن أعينهم في غطاء.