علم الأستاذ الإمام في المسجد الكبير وفي سيدي قموش وسيدي عبد المؤمن وسيدي بو معزة ومدرسة جمعية التربية والتعليم والجامع الأخضر وسيدي فتح الله وهذه المؤسسات كلها ما زالت إلى اليوم. كان التعليم في مساجد قسنطينة لا يشمل إلا الكبار، وأما الصغار فإنهم يتعلمون القرآن فقط في الكتاتيب على طريقة المغاربة التي يذكرها ابن خلدون في مقدمته، وأول عمل تربوي تعليمي سجله ابن باديس في قسنطينة كان في سنة ١٣٣٢هـ فكان يعلم صغار الكتاتيب القرآنية بعد خروجهم منها صباحًا وعشية ثم بعد بضع سنوات أسس مع جماعة من الفضلاء المتصلين به، مكتبًا للتعليم الإبتدائي وذلك في مسجد سيدي بو معزة ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست سنة ١٩١٧م وفي سنة ١٣٤٩هـ ١٩٣٠م تطور مكتب الجماعة إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية، حيث حرر ابن باديس القانون الأساسي وقدمه باسم الجمعية إلى الحكومة فصادقت عليه دون أن ترى نتائجه بتاريخ رمضان ١٣٤٩هـ مارس ١٩٣١م واعترفت بالجمعية في الجريدة الرسمية وتكونت هذه الجمعية من عشرة أعضاء برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس وجاء في القانون: إن مقصود الجمعية نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف الدينية، والعربية، والصنائع اليدوية، بين أبناء وبنات المسلمين، وبينت المادة الثالثة الوسائل:
١ - تأسيس مكتب للتعليم.
٢ - ملجأ للأيتام.
٣ - نادٍ للمحاضرات.
٤ - معمل للصنائع.
٥ - إرسال التلامذة على نفقتها إلى الكليات، والمعامل الكبرى.
ومكتب الجمعية كان موجودًا في بناية الجمعية الخيرية الإسلامية والجدير
[ ١ / ١١٤ ]
بالملاحظة أن القانون ينص على أن البنين يدفع القادرون منهم واجب التعليم، وأما البنات فيتعلمن كلهن مجانًا، وهذا لا يحتاج إلى تعليق. وقد شرع ابن باديس من ناحية أخرى في إلقاء دروس على الكبار أول الأمر في الجامع الكبير، حيث كان يدرس فيه الشفاء للقاضي عياض ولكن ما لبث أن منعه مفتي قسنطينة المولود بن الوهوب. وكوَّن جماعة من الشبان تابعة للجمعية واهتم بتهذيبهم، وتربيتهم، فجعل لهم درسًا يوم الأحد من كل أسبوع يعلم جماعة منهم على الساعة ١٠ صباحًا والأخرى على الساعة ٨ مساء حسبب أوقات فراغهم وذلك في أفريل سنة ١٩٣٣م.
هناك من المربين من يذهب إلى أن المجتمعات تحس بالمسؤولية عن ترببة الأطفال فقط ولا تحس بهذه المسؤولية عن تربية جميع البالغين مهما بلغت سنهم ويعتبر أنه ليست سن ١٦ - ١٨ خير فترات العمر للتعلم كما نظن وإنما هي أنسب سن لتعلم أوليات القراءة والكتابة، والحساب، واللغات، ولكن إدراك مغزى التاريخ، والفلسفة، والدين، والأدب، وعلم النفس، محدود جدًا في هذه السن المبكرة بل إن سن العشرين التي نعلم فيها هذه المواد في الكليات الجامعية ليست السن المثالية، ولكي يدرك المرء المشكلات المعقدة في هذه الميادين إدراكًا حقيقيًا ينبغي أن يتوفر لديه قدر من الخبرة في الحياة أكبر مما يتوفر له وهو في سن التعليم الجامعي، وقد تكون سن الأربعين أو الثلاثين لكثير من الناس أنسب الأسنان لإدراك هذه المواد، وفهمها لا مجرد حفظها، وقد أخذت بعض الدول بهذا المبدأ فضاعفت فرص الدراسة للكبار ونوَّعتها (١).
ولذلك كان ابن باديس يعمل في واجهتين واجهة للكبار وواجهة للصغار وكان مصيبًا في ذلك إصابة بالغة.
_________________
(١) المجتمع السليم ص ٢٣٣.
[ ١ / ١١٥ ]
ومن أهم المؤسسات التربوية الجامع الأخضر الذي أسسه حسين باي للصلاة والتعليم كما هو مكتوب عليه (١) وقد تم بناؤه سنة ١١٥٦هـ: