تعرض لنقد طرق التدريس في جامع الزيتونة وبين أنها ليست وسيلة
_________________
(١) ج ٤ م ١٠ ص ٣٥٢ ربيع الأول ١٣٥٣هـ جويلية ١٩٣٤م.
(٢) نشرة جمعية التربية ١٣٥٤هـ ١٩٣٦ م ص١ - ٤.
(٣) ج ٨ م ١١ ص٤٤٤، ١٣٥٤هـ ١٩٣٥م.
[ ١ / ١٠٧ ]
تؤدي إلى تحقيق الغرض من التربية كما يتصوره، بل إنما تكوِّن ثقافة لفظية، يهتم أصحابها بالمناقشات اللفظية العقيمة طوال سني الدراسة، ويذكر أن الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلًا، وإنما يغرق في خصومات لفظية بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه في القواعد التي كان يظن الطالب أنه فرغ منها، ويتخرج الطالب دون أن يعرف من حقيقة التفسير شيئًا، وذلك بدعوى أنهم يطبقون القواعد على الآيات، كأنما التفسير يدرس من أجل تطبيق القواعد لا من أجل فهم الشرائع والأحكام. وهذا يعتبره ابن باديس هجرًا للقرآن مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم يخدمون القرآن" (١).
وهذا كما ترون أيها السادة: يتعارض مع الهدف التربوي الإصلاحي الذي هو إرجاع ضمير الإنسان المسلم إلى الحقيقة القرآنية، كأنه أنزل على قلبه، واتصاله به من جديد اتصالًا حيًا دافعًا للعمل.
ومن وجوه النقد التي يوجهها إلى طرق التدريس في المغرب الإسلامي الإقتصار على دراسة الفروع الفقهية دون الرجوع إلى الأصول، ودون الإعتماد على الإستدلال والتعليل والقياس، بل إنه يعتبر هذا بُعدًا عن القرآن وهجرًا آخر له يقول: "واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، وراء أسوار من الألفاط المختصرة، تفنى الأعمار قبل الوصول إليها" (٢) وهذا هو نفس النقد الذي وجهه ابن تومرت للفقهاء في عهد المرابطين، وأبو بكر ابن العربي، ومن قبلهما ابن عبد البر الذي نقد طرائق التعليم في الأندلس، والمغرب على هذا النحو نفسه، الذي سار
_________________
(١) تفسير آية ٣٠ من سوره الفرقان.
(٢) ج ١٢ م ١٠ ص ٥١٨ - ٥٢١ شعبان هـ نوفمبر ١٩٣٤م.
[ ١ / ١٠٨ ]
فيه ابن باديس، مما يجعلنا نعتقد أنه متأثر بهم، وخصوصًا أبا بكر بن العربي الذي اهتم به وبكتابه "العواصم من القواصم" الذي حققه وطبعه سنة ١٣٤٧هـ ١٩٢٨ وكذلك ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" والدليل على ذلك أنه استشهد بكلامهما في هذا المجال النقدي وذكر أن هذا الإعراض عن ربط الفروع بأصولها، ومعرفة مآخذها، هو داء قديم في هذا المغرب من أقصاه إلى أدناه بل كان داء عضالًا فيما هو أرقى من المغارب الثلاث وهو الأندلس (١).
وذلك لأن ابن عبد البر (٤٩٣) يتعرض في كتابه المذكور للتعليم، ويذكر أن الغرض من المناظرات التي تقع بين جماعة السلف إنما هو فهم وجه الصواب والحقيقة، فيصار إليها، ومعرفة أصل القول وعليته فتقاس عليه نظائره وأمثلته، وعلى هذا الناس في كل بلد إلا عندنا وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب فإنهم لا يقيمون علة ولا يعرفون للقول وجهًا، وحسب أحدهم أن يقول: فيها رواية لفلان ورواية لفلان. ومن خالف الرواية التي لا يقف على معناها وأصلها وصحة وجهها، فكأنه خالف نص الكتاب وثابت السنة، وقد نصح الطالب بالرجوع إلى الأصول والعناية بها، والإعتماد على النظر والبحث والإجتهاد والإطلاع على مختلف المذاهب والآراء والإستعانة بها (٢).
وأما أبو بكر بن العربي فقد وجه بدوره نقدًا لاذعًا لحركة التعليم، ومناهج العلم، ورمى الأندلسيين بالتقليد، وبين الأسباب السياسية والإجتماعية التي جعلتهم ينحدرون إلى الفروع دون ربطها بأصولها، مما أدّى بهم إلى الجمود، والتقليد، وهذا ما جعل ابن باديس يقرر
_________________
(١) ج ١٢ م ١٠ ص ٥١٨ - ٥٢١ شعبان هـ نوفمبر،١٩٣٤م.
(٢) ص ١٧٠.
[ ١ / ١٠٩ ]
أن اقتلاع هذه العادة عسير، وأن الرجوع إلى التفقه في الكتاب والسنة وربط الفروع بالمآخذ والأدلة أعسر (١).