ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس في سنة ١٣٠٨هـ (ديسمبر ١٨٨٩) (١) فكان الولد البكر لأبويه، وأسرته أسرة قسنطينية مشهورة بالعلم والثراء والجاه، وكانت منذ القدم ذات نفوذ، ومسيرة للسياسة والحكم في المغرب الإسلامي، ونبغ من هذه الأسرة شخصيات تاريخية لامعة منها بلكين بن زيري والمعز بن باديس (٢) الذي كان يفتخر به الشيخ عبد الحميد ولا عجب في ذلك فهو بمثابة خليفة له في مقاومة البدع والضلال إذ كان جده يناضل الاسماعيلية الباطنية، وبدع الشيعة في إفريقية، ومن أسلافه المتأخرين
_________________
(١) ورد في الإعلام للزركلي ج ٤ ص ٦٠ أنه ولد في سنة ١٣٠٥ - ١٨٨٧ وهو غير صحيح وهذا نفسه ورد في معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ج ٥ ص ١٠٥.
(٢) لقبه المعز لدين الله بأبي الفتوح، وسيف العزيز بالله وسماه يوسف توفي في ٢١ ذي الحجة سنة ٣٧٣هـ (٩٨٤ م) وكانت ولايته من سنة ٣٦٢ - ٣٧٣هـ (٩٧٢ - ٩٨٤)
[ ١ / ٧٢ ]
قاضي قسنطينة الشهير أبو العباس أحميده بن باديس ومكي بن باديس القاضي بها أيضًا.
وأمه من أسرة مشهورة في قسنطينة كذلك هي أسرة "عبد الجليل" تدعى "زهيرة " بن جلول (لقب) بنت علي بن جلول. وأبوه عضو في المجلس الجزائري الأعلى والمجلس العام (١) كما هو عضو في المجلس
منزل الشيخ عبد الحميد بن باديس، ويقع في زنقة جورج كنستن رقم ٨، بنهج السادس والعشرين دولينيو- قسنطينة
_________________
(١) ٤٠٦ - ٤٥٣ أو ٤٥٤هـ واستقبل بالأمر سنة ٤١٧هـ
[ ١ / ٧٣ ]
العمالي. وعرف دائمًا بدفاعه عن مطالب السكان المسلمين بالعمالة القسنطينة (١) وأسرته كانت تنتمي إلى الطريقة القادرية.
حفظ ابن باديس القرآن على الشيخ محمد المداسي، وأتم حفظه في السنة الثالثة عشرة من عمره، ومن شدة إعجاب المؤدب بذكائه وسيرته الطيبة قدمه ليصلِّي بالناس صلاة التراويح ثلاث سنوات متتابعة في الجامع الكبير (٢) وفي سنة ١٩٠٣ أدخل الشاب في طور جديد من أطوار دراسته فخيره والده بين أن يسلك طريق أجداده أو طريقًا آخر، فاختار طريق سلفه وهو طريق العلم والجهاد فانتخب له أبوه أحد الشيوخ الصالحين من دوي المعارف الإسلامية والعربية وهو الشيخ أحمد أبو حمدان لونيسي الذي كان منتميًا إلى الطريقة التيجانية سالكًا منهجهًا فأخذ يعلمه بجامع سيدي محمد النجار (٣) مبادىء العربية والمعارف الإسلامية ويوجهه وجهة علمية أخلاقية. وكان ابن باديس يعترف له بالفضل، وبما كان له من تأثير في نفسه، ثم هاجر حمدان لونيسي إلى المدينة المنورة متبرمًا من الاستعمار الفرنسي، وسلطته، مجاورًا، بها، مدرسًا للحديث إلى أن توفاه الله. وحين عزم على الهجرة تعلل لدى السلطات الإستعمارية بأنه يسافر لمعالجة بصره، رغب ابن باديس أن يسافر معه ولكن أباه منعه وصرفه عن ذلك.
وحين بلغ الخامسة عشر من عمره (١٩٠٤) زوَّجه والده وأنجب ولدًا اسماه عبده اسماعيل توفي وعمره سبعة عشر
_________________
(١) Conseil supérieur de l'Algérie et Conseil général، voir La Naissance du Nationalisme Algérien،، Par André Nouchi، P. ٦٤.
(٢) ن. م. ن. ص. مجلة إفريقيا الشمالية (نشأه ابن باديس لمحمد الصالح رمضان العدد ٤ السنة الأولى ماي ١٩٤٩ ص٤٣).
(٣) واقع بجنب جامع سيدي عبد المؤمن بقسطنطينة.
[ ١ / ٧٤ ]
عامًا (١) وهذا الإسم له دلاله، لأن هذا الإبن ولد تقريبًا في السنة التي توفي فيها محمد عبده، أو في التي بعدها، والشيخ محمد عبده زار الجزائر العاصمة ومدينة قسنطينة سنة ١٩٠٣ وعمر ابن باديس أربعة عشر عامًا فمن الممكن أن يكون قد اتصل به أو سمع عنه، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار تردد ابن باديس الشاب على الجامع الكبير، وإمامته بالناس في صلاة التراويح، وهو المسجد الذي زاره محمد عبده في قسنطينة.
ثم جاء دور الرحلة في حياة الشاب فسافر إلى مدينة تونس في سنة ١٩٠٨ وسنه إذ ذاك تسعة عشر عامًا وانتسب إلى جامع الزيتونة، وعرف في دراسته بالجد والنشاط، فأخذ يتلقى الثقافة الإسلامية العربية، ويأخذ عن جماعة من أكابر علماء الزيتونة أمثال العلامة المفكر الصدر محمد النخلي القيرواني المتوفى في رجب سنة ١٣٤٢هـ (١٩٢٤م) وكان قد قرظ الرسالة التي ألفها عبد الحميد بن باديس في الرد على بن عليوة الصوفي (٢) والشيخ محمد الطاهر بن عاشور (٣) الذي كان له تأثير
_________________
(١) مدفون بجوار أبيه توفي في ١٥رمضان ١٣٣٧هـ كما هو مكتوب على قبره.
(٢) إسم الرسالة: جواب سؤال عن سوء مقال أتم تأليفها في ٢٧ ذي الحجة عام ١٣٤٠ بها ٢٠ص طبعت بالمطبعة الإسلامية الجزائرية بقسنطينة دون تاريخ. تقريظ النخلي يوجد في ص٢١ وهو أول تقريظ ورد إليه مؤرخ ب ٥ صفر سنة ١٣٣٤هـ.
(٣) ولد بتونس سنة ١٢٩٦ هـ (١٨٧٩) تولى منصب قاضي القضاة سنة ١٣٥١هـ (١٩٣١م) ومشيخة الجامع الأعظم فرفع من شأن الجامعة الزيتونية وأقام بها نهضة علمية استفادت منها كثير من البلدان الإفريقية وهو عضو بمجمع اللغة العربية بالقاهرة وبالمجمع العلمي بدمشق أنظر كتابه: "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام" المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية سنة ١٩٦٤ طي الغلاف الداخلي له كثير من المؤلفات والدراسات العربية والإسلامية.
[ ١ / ٧٥ ]
كبير في تكوين عبد الحميد بن باديس اللغوي وفي الشغف بالأدب العربي والإعتزاز به.
وقرظ بدوره رسالته المذكورة (١) ومن أساتذته الشيخ الخضر بن الحسين الجزائري الأصل (٢) الذي درس بجامع الزيتونة وحضر عليه عبد الحميد دروسًا في المنطق من كتاب "التهذيب" للسعد بجامع الزيتونة، كما أخذ عنه دروسًا في التفسير في أوائل كتاب البيضاوي بدار الأستاذ: شارع باب منارة تونس (٣) ومنهم أبو محمد بلحسن إبن الشيخ المفتي محمد النجار الذي تولى الإفتاء سنة ١٣٤٢هـ (٤) وهو من بين الذين قرظوا رسالته أيضًا، ومنهم محمد الصادق النيفر وسعد العياض السطايفي المصلح المجدد، ومحمد بن القاضي، والبشير صفر المؤرخ المجدد، وغيرهم كثير. وتخرج بشهادة التطويع في سنة ١٩١١ - ١٩١٢ وعمره ثلاث وعشرون سنة وعلم سنة واحدة في جامع الزيتونة على عادة المتخرجين في ذلك الوقت. ولا شك فإن البيئة الثقافية والإجتماعية التي احتك بها، والعلاقات التي كانت له مع بعض العلماء أثرت في تكوينه وشخصيته، واتجاهه العقلي، وأكثر ما كان اتصاله قويًا وعميقًا ومؤثرًا إنما كان بالشيخ محمد الطاهر بن عاشور، والشيخ محمد النخلي، اللذين يعتبران زعيمي النهضة الفكرية والعلمية والإصلاحية في الحاضرة التونسية لأنهما كانا من أنصار أفكار جمال الدين ومحمد عبده الإصلاحية، ويذكر لنا الشيخ عبد الحميد بن باديس، أن الشيوخ الجامدين كانوا ينفرونه من الاتصال بهما، وبقي
_________________
(١) أنظر الرسالة ص ٢٣ وهي ضمن الجزء الثاني من هذا الكتاب في قسم "الإصلاح والثورة ضد البدع".
(٢) أصله من طولقة جنوب الجزائر بعد مدينة بسكرة.
(٣) أنظر مقال "أولو الأمر" لعبد الحميد ج ٨ م ١٥ ص ٢.
(٤) شجرة النور الزكية ص ٤٢٩.
[ ١ / ٧٦ ]