الأول: التفكر في عظمة الله وجلاله، وجبروته وملكوته، وآياته في أرضه وسمواته وجميع مخلوقاته، والتفكر- أيضًا- في أنواع آلائه وعظيم إنعامه على خلقه عامة وعلى الإنسان خاصة بما سخَّر
_________________
(١) ٦٥/ ٢٠ الطلاق.
(٢) ١٠٢/ ١٨ الكهف.
[ ١ / ١٣١ ]
له منها وما يسَّر له من أسباب الإنتفاع بها، بما يوجب الإيمان بوحدانيته في ربوبيته، فلا خالق ولا مدبِّر ولا مصرِّف ولا آمر ولا حاكم ولا منعم على الحقيقة سواه، وبوحدانيته في ألوهيته فلا يستحق العبادة سواه.
وهذا الضرب هو أعظم الأذكار وأجلها وأفضلها، وبه يتوصل إليها ويستحق الثواب عليها، إذ هو أساسها الذي تبنى عليه. فالأعمال مبنية على العقائد، والعقائد لا تثبت إلا بهذا التفكر، وبه تنجلي في العقول، وترسخ في النفوس، وتحصل للناظر طمأنينة اليقين. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (١)﴾ وهذا هو الذكر الذي يحصل به الإطمئنان. وهو المراد في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (٢)﴾. قال جماعة من السلف: ذكر الله في الصلاة أكبر من الصلاة، وهو المراد أيضًا في حديث أبي الدرداء موقوفًا في الموطأ ومرفوعًا في غيره: " ألا أخبركم بخير أعمالكم وأرفعها في درجاتكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إعطاء الذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم. قالوا: بلى. قال: "ذكر الله" وفي الحديث معاذ كذلك: "ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله" وهذا كله لأنه هو أساس جميع الأعمال كما قدمنا، فإذا حصل ودام وجهه حصلت كلها ودامت على وجوهها.
الثاني: العقد الجازم بعقائد الإسلام في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله، عقدًا عن فهم صحيح وإدراك راسخ تتحلَّى به النفس بمقتضيات تلك العقائد وتتذوق حلاوتها وتتكون
_________________
(١) ٢٣/ ٣٠ الرعد.
(٢) ٤٥/ ٢٩ العنكبوت.
[ ١ / ١٣٢ ]
لها منها إرادة قوية في الفعل والترك تملك بها زمامها، تلك الإرادة التي لا تكون إلا عن عقيدة راسخة في النفس ويقين مطمئن به القلب. ولذا كان هذا الضرب من ذكر القلب متفرعًا عن الضرب الأول ومبنيًا عليه.
الثالث: استحضار عظمة الرب وإنعامه وما يستحقه من القيام بحقه عند كل فعل وترك فيفعله بإذنه لوجهه ويترك بإذنه لوجهه. ولا يدوم هذا الإستحضار إلا إذا رسخت العقيدة التي هي من مقتضى الضرب الثاني، ودامت الفكرة التي هي من مقتضى الضرب الأول، فهو متفرع عنهما ومتوقف عليهما. وهذا الضرب هو أساس التقوى وهو المراد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١)﴾.
فإن الذكر المناسب لمواطن الحرب هو استحضار عظيم حق الله على العبد في القيام بذلك الفرض، واستحضار وعده ووعيده، مما يقوي القلب ويكسب الجرأة والثبات وانتظار النصر- دون كثرة الذكر اللساني- فقد جاء عن النبي - ﷺ -: طلب الصمت عند جلبة العدوِّ وصخبه. وهو المراد أيضًا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١)﴾. فإن الإبتغاء من فضل الله هنا هو التصرف بوجوه التجارة والكسب وليس ذلك مما يناسبه ذكر اللسان كثيرًا، فإن ذكر اللسان يطلب فيه التدبر، وأن ذلك غير متيسر للمشتغل بالبيع والشراء،
_________________
(١) ٤٦/ ٨ الأنفال.
(٢) ٦٢/ ١٠ الجمعة.
[ ١ / ١٣٣ ]
وإنما يناسبه استحضار عظمة الرب وإنعامه ولازم حقه ليمتثل أمره ونهيه في وجوه الأخذ والعطاء والقضاء والإقتضاء.