لقد كان في بيان أن الدعوة إلى الله هي سبيل محمد - صلى الله
_________________
(١) رواه ابن ماجة عن طريق ابي الدرداء - ﵁ - بسند موثق وفيه ابن سميع قال فيه ابن عدي: حسن الحديث.
[ ١ / ١٧٥ ]
عليه وسلم - ما يفيد أن على اتباعه- وهو قدوتهم ولهم فيه الأسوة الحسنة- أن تكون الدعوة إلى الله سبيلهم- ولكن لتأكيد هذا عليهم وبيان أنه من مقتضى كونهم أتباعه وأن اتباعهم له لا يتم إلا به- جاء التصريح بذلك هكذا:
﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. فالمسلمون أفرادًا وجماعات عليهم أن يقوموا بالدعوة إلى الله وأن تكون دعوتهم على بينة وحجة وإيمان ويقين. وأن تكون دعوتهم وفقًا لدعوته وتبعًا لها. فمن الدعوة إلى الله دروس العلوم كلها مما يفقه في دين الله ويعرف بعظمة الله وآثار قدرته ويدل على رحمة الله وأنواع نعمته، فالفقيه الذي يبين حكم الله وحكمته داع إلى الله، والطبيب المشرح الذي يبين دقائق العضو ومنفعته داع إلى الله، ومثلهما كل مبين في كل علم وعمل. ومن الدعوة إلى الله بيان حجج الإسلام ودفع الشبه عنه ونشر محاسنه بين الأجانب عنه ليدخلوا فيه وبين مزعزعي العقيدة من أبنائه ليثبتوا عليه. ومن الدعوة إلى الله مجالس الوعظ والتذكير لتعريف المسلمين بدينهم وتربيتهم في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم على ما جاء به، وتحبيبهم فيه ببيان ما فيه من خير وسعادة لهم، وتحذيرهم مما أدخل من محدثات عليه هي سبب كل شقاوة وشر لحقهم، وبيان أنه ما من سبب مما تسعد به البشرية، أفرادها وأممها، إلا بينه لهم ودعاهم إليه. وما من سبب مما تشقا به البشرية أفرادها وأممها إلا بينه لهم ونهاهم عنه. وبيان أنه لولا عقيدته المتأصلة فيهم وبقاياه الباقية لديهم ومظاهره القائمة بهم لما بقيت لهم- وهم المجردون من كل قوة- بقية، ولتلاشت أشلاؤهم- وهم الأموات- في الأمم الحية.
ومن الدعوة إلى الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة بدون استثناء، وإنما يتنوع الواحب بحسب
[ ١ / ١٧٦ ]
رتبة الاستطاعة. فيجب باليد فإن لم يستطيع فباللسان فإن لم يسطع فبالقلب وهو أضعف الإيمان وأقل الأعمال في هذا المقام. ومن الدعوة إلى الله ظهور المسلمين- أفرادًا وجماعات- بما في دينهم من عفة وفضيلة، وإحسان ورحمة وعلم وعمل، وصدق وأمانة، فذلك أعظم مرغب للأجانب في الإسلام، كما كان ضده أعظم منفر لهم منه. وما انتشر الإسلام أول أمره بين الأمم إلا لأن الداعين إليه كانوا يدعون بالأعمال كما يدعون بالقول، وما زالت الأعمال عيارًا على الأقوال. ومن الدعوة إلى الله بعث البعثات إلى الأمم المسلمة ونشر الكتب بألسنتها وبعث المرشدين إلى عوام الأمم المسلمة لهدايتهم وتفقيههم. كل هذا من الدعوة إلى الله ثابتة أصوله في سنة النبي - ﵌- وسنة السلف الصالح من بعده. فعلى كل مسلم أن يقوم بما استطاع منه في كل وجه من وجوهه، وليعلم أن الدعوة إلى الله على بصيرة هي سبيل نبيه - ﷺ - وسبيل إخوانه الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - من قبله، فلم يكن المسلم ليدع من هذا المقام ثابتًا لكل مسلم ومسلمة، وحقا القيام به - بقدر الاستطاعة- على كل مسلم ومسلمة- فأهل العلم به أولى وهو عليهم أحق. وهم المسؤولون عنه قبل جميع الناس، وما أصاب المسلمين ما أصابهم إلا يوم قعد أهل العلم عن هذا الواجب. وإذا عادوا إلى القيام به- وقد عادوا والحمد لله- أوشك- إن شاء الله- أن ينجلي عن المسلمين مصابهم.