غير أن لهذا الطبع الإنساني لدات، رافقته في مراحل الوجود من أول التاريخ وكان لهن من مستقرّ العقل فيه، ملاعب وأحضان، هن التقليد والوهم وهنات أخرى تَمُتُّ لهذين بالنّسب الوثيق، فكان لها على الطبائع ما يكون للترب على تربه من تأثير وتسلط وقد باعدت
[ ١ / ١٠٩ ]
حقائق الإسلام ما بينهن وبين الطبع البشري حقبة، وأقامته على صراط الفطرة السوي، وكأنما أنشأته نشأة مستأنفة، بما حرّرته منه من شوائب الاسترقاق لهذه الهنات وغيرها، حتى أصبح لا يدين بالعبودية إلا لله، ثم عاد المسلمين من ذكرى تلك الهنات عيد وطاف بهم طائف من العصبية التي محاها الإسلام لأول ظهوره، وإنّ العصبية لأصل البلاء كله، فنشأت فيهم العصبية إلى الجنس وإن لم يعمر من التاريخ صفحة، والعصبية إلى الرأي وإن لم يتعلق به من السداد نفحة، والعصبية للآباء وإن لم يكن لهم في الصالحات أثر، والتعصّب للأشياخ حتى فيما زاغ فيه الفكر وعثر.
لهذه العصبيات، صارت الأمة الواحدة أممًا وصارت السبيل الواحدة سبلًا إذ نشأت عن العصبيات آثارها اللازمة لها فساءت الحال وتراخت حبال الأخوة الإسلامية وضعف أثر الوازع الديني في النفوس، فضعف لضعفه أعظم ركن في الإسلام (وهو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) فطغت المحدثات على السنن حتى غمرتها وأصيبت العلوم الإسلامية بما أصيب به المجتمع الإسلامي من فتور، ولابست حقائق الدين شبهات أعضل أمرها وساء أثرها، وأتى التقليد بنيان الاستدلال من القواعد فجفّ العلم وعقمت العقول، وكان شر نتيجة لتلك المقدّمات كلها بُعْدُ الأمة الإسلامية عن هداية كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح من أمّته.