كان معقولًا جدًا أن الإصلاح الديني لا يطمئن به المضجع في هذه الديار ولا ترسخ جذوره إلّا إذا مهدت له الأرض ونقيت، ولا بد بعد وجود المقتضيات من إزالة الموانع، وموانع الإصلاح بهذه الديار وعوائقه هي طائفة أو طوائف تختلف اسمًا وصفة، وتتحد رسمًا وغاية، والمصلحون إذ ذاك يلتقون على فكرة ولا يلتقون على نظام ولا في جمعية، لأن جمعية العلماء لم تؤسس بعد.
فكانت الأوساط الإصلاحية في ذلك العهد يتجاذبها رأيان يلتقيان في المقصد وبختلفان في المظهر العملي للإصلاح وكيف يكون؟
أحدهما، صرف القوّة كلها وتوجيه جهود متضافرة إلى التعليم المثمر، وتكوين طائفة جديدة منسجمة التعليم مطبوعة بالطابع الإصلاحي علمًا وعملًا، مسلحة بالأدلة، مدربة على أساليب الدعوة الإسلامية والخطابة العربية، حتى إذا كثر سواد هذه الطائفة وكان منها الخطيب ومنها الكاتب ومنها الشاعر ومنها الواعظ ومنها الداعي المتجول، استخدمت في الحملة على الباطل والبدع على ثقة بالفوز.
وهذا رأي له قيمته وخطره، وكان كَاتِبُ هذه الأسطر من أصحاب هذه الفكرة في ذلك الوقت.
والرأي الثاني أخذ المبطلين مغافصة والهجوم عليهم وهم غارّون، واسماع العامة المغرورة صوت الحق فصيحًا غير مجمجم، ويرتكز هذا الرأي على أن هذه البدع والمنكرات التي يريد الإصلاح أن يكون حربًا عليها هي أمور قد طال عليها الأمد، وشاب عليها الوالد، وشبَّ عليها الولد وهي بعد شديدة الاتصال بمصالح ألفها الرؤساء حتى اعتبروها حقوقًا لهم، وأنس بها العامة حتى اعتقدوها فروضًا عليهم، فلا مطمع في زوالها إلّا بصيحة مخيفة، تزلزل أركانها، ورجة عنيفة تصدع بنيانها واعصار شديد يكشف الستر عن هذا الشيء الملفف، والسر الذي يأبى أن يتكشف، ليتبينه الناس على حقيقته، وأقل ما يكون من التأثير لهذا العمل أن تضعف هيبته في نفوسهم وتضؤل رهبته في صدورهم، وهنالك يسهل العمل في نقضه، وتخف المئونة في هدمه.
وهذا رأي له خطره وقيمته كذلك؛ فإن هذه الأسماء (مرابط وشيخ طريق وما شاكلهما) التي أصبح الناس الآن يتقززونها وينددون بها جهارًا قد كانت محاطة في ذلك الوقت بسور من الإجلال والقدسية، وهذه الأباطيل التي صارت بغيضة إلى كل نفس ملعونة بكل لسان، قد كانت في ذلك العهد ترتكب بين قلوب من العامة واجفة، وألسنة راجفة، خوفًا من أن يخطر الانكار بالبال فيحل الوبال.
[ ١ / ١٨٣ ]
وعليه فالشدة أحزم.
وقد رجح الرأي الثاني لمقتضيات لله من ورائها حكمة، فأنشئت جريدة "المنتقد" بقسنطينة لهذا الغرض، وكان اسمها نذيرًا بالشر لأهل الضلال فإنه مُتَحَدِّ لما نهوا عنه، وهاتك لحرمة ما شرعوه في كلمتهم التي حذروا بها العامة وهي قولهم: "اعتقد ولا تنتقد". وانبرت للكتابة في "المنتقد" أقلام كانت ترسل شواظًا من نار على الباطل والمبطلين، ثم عطل المنتقد فخلفه الشهاب (الجريدة) ثم أسست جريدة الإصلاح ببسكرة فكان اسمها أخف وقعًا وإن كانت مقالاتها أسد مرمى وأشد لذعًا، وأسماء الجرائد كأسماء الأناسي يظن الناس أنها وليدة الاختيار المقتضب والشعور الطافر، وغلطوا إنما هي وليدة شعور متمكن وتأثر نفساني عميق تزجيه مؤثرات قارة، وليس هذا محل التفصيل لهذا المبحث الطويل.
ثم تطور الشهاب الأسبوعي فأصبح مجلة شهرية استلمت قيادة الحركة من أول يوم وورثت الأقلام التي كانت تكتب في الجرائد قبلها، ولم تهن لمجلة الشهاب في حرب الباطل وأهله عزيمة ولم تفل لها شباة. وكم لها من مواقف شريفة في خدمة الحركة الإصلاحية، وكم لها على النهضة العلمية والأدبية من أياد! وها هي ذي لم تزل ثابتة القدم واضحة النهج مرفوعة الرأس، ولو اتسع وقت الأستاذ مؤسسها لكتابة مباحث التفسير بصورة منظمة ومع توسع في طريقته البديعة، لكانت خير خلف للمنار. ولو أعطاها حملة الأقلام العالية ما يجب لها من حق لاتسع نطاقها، وكثرت أوراقها، ولو قام أغنياؤنا بما لها عليهم من واجب لشبت عن الطوق الذي هي فيه.
ولكن داءنا هو التقصير في الواجب.
قآه من التقصير في الواجب.
وإلى جنب هذه الحركة القلمية كانت حركة أخرى تسايرها وتؤازرها وتغذيها وهي حركة التعليم التي انتشرت بالمراكز المهمة من عمالة قسنطينة. فدروس العلم كانت تجتذب أفواجًا من الشباب، ودروس الوعظ والإرشاد كانت تجتذب الجماهير إلى حظيرة الإصلاح وتحدث كل يوم ثغرة في صفوف الضلال، وقد تلاقت الحركتان على أمر قد قدر، فكان هذا الأمر هو تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.