من الأعمال ما يكون الفشل فيه أجدى من النجاح، وهذا هو ما شهدناه في تأسيس جمعية الإخاء العلمي. فقد فشلنا في تأسيسها ظاهرًا وفيما يبدو للناس، ولكن تلك المحاولات لم تذهب بلا أثر في المجتمعات العلمية الجزائرية حتى كان من نتائجها بعد أعوام جمعية العلماء المسلمين.
إن ذلك الاسم اللطيف الذي وضعه الأستاذ باديس للجمعية وهو "الإخاء العلمي" طار على الأفواه وتطاير عن الأقلام، ورددته مجالس التعليم ومحافل الأدب، ثم تخطاها إلى نوادي السمر، وكان لطفه داعيًا لانجذاب القلوب واستهواء الأفئدة، فنبه الغافل وأيقظ النائم، وحث الخامل وقوى العزائم، وأشعر أهل العلم أن العلم رحم، وأنها مجفوة بينهم
[ ١ / ١٨٥ ]
فيجب أن توصل، وأشعر العامة أن قوتها من قوة علمائها، وأن قوّة العلماء لا تتحقق إلا بتآخيهم على العلم واجتماعهم على العمل.
وإننا نعرف لأخينا الأستاذ باديس ذوقًا دقيقًا في وضع الأسماء وصوغ العناوين، وإنه يكاد يكون ملهمًا في هذا الباب، ونعرف أنه اكتسب ذلك من أسلوبه التدريسي المبني على التحديد والإحاطة والدقة.
ولقد كان من المعقول- والحرب مشبوبة بين المصلحين والطرقيين- أن يكون اسم الجمعية (الإصلاح الديني) ولكن المصلحين- وهم أول من فكر في مشروع جمعية العلماء وزعيمهم هو أول من وضع ذلك الاسم- لم يكونوا يقصدون من هذه الجمعية، من يوم تصوروها فكرة إلى يوم أبرزوها حقيقة واقعة، إلّا غرضًا واحدًا وهو جمع القوى الموزعة من العلماء على اختلاف حظوظهم في العلم، لتتعاون على خدمة الدين الإسلامي واللغة العربية والنهوض بالأمة الجزائرية من طريقهما، ولو كان عند المصلحين شيء من سوء القصد الذي يرميهم به خصومهم لظهر أثره في تسمية الجمعية أولًا باسم الإخاء العلمي وثانيًا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والاسم هو العنوان المتضمن لكل ما وراءه من معان.
طاف طائف هذا الاسم اللطيف "جمعية الإخاء العلمي" بالآذان واستقر بعدها في الأذهان، وكل كلمة من كلماته الثلاث محببة إلى النفوس جميلة الموقع منها، فالاجتماع أمنية كل عاقل، والتآخي طلبة كل مخلص، والعلم نشيدة كل حي، فكيف إذا اجتمع العلم والتآخي فيه والاجتماع على استثماره؟ ولكن أنّى للأمة الجزائرية باجتماع العلماء وتآخيهم في العلم، وإن الطائفة التي يطلق عليها هذا الاسم حقيقة أو ادعاء بهذا القطر هي طائفة متنافرة متنابذة، كأن من كمال العلم عند بعضها أن يبغض العالم العالم، وبجفو العالم العالم، شنشنة مُعْظَم الشر فيها آت من الزوايا الطرقية التي تعلم فيها أولئك العلماء أو علَّموا فيها، والكثرة الغالبة في علماء الجزائر قبل اليوم تعلمت بالزوايا أو علمت العلم في الزوايا، فمن الزوايا المبدأ وإليها المصير. وزوايا الطرق في باب العلم كمدارس الحكومات هذه معامل لتخريج الموظفين، وتلك معامل لتخريج المسبحين بحمد الزوايا والمقدسين. أما العلم وحقيقته وصراحته وحريته فلا رائحة لها في هذه ولا في تلك، وسنفصل القول في هذه المسألة- التعلم بالزوايا وآثاره في نفوس المتعلمين- في فصل آخر فإن لهذه المسألة بابًا واسعًا في تاريخ الجزائر العلمي، ونعود لموضوعنا. إن الرجاء كان ضعيفًا في تحقق أمنية اجتماع العلماء من تلقاء أنفسهم إذا لم يدفعهم دافع قوي من استعداد الأمة، وقد وجد هذا الاستعداد.
فقد دب في الأمة الجزائرية دبيب الحياة وقوّى فيها الشعور بسوء الحال التي هي عليها، والشعور بالفساد هو أول مراحل الإصلاح، وتجلى هذا الشعور بالعمل في عدة نواح
[ ١ / ١٨٦ ]
من حياتها العامة: فتجلى في الناحية الاقتصادية بالدخول في ميادين الكسب التي كانت وقفًا على غير المسلم الجزائري، وتجلى في الناحية الأدبية بتأسيس النوادي والجمعيات المختلفة، وتجلّى في الناحية العلمية بالإقبال على القراءة والتعلم باللغتين العربية والفرنسية وبالبذل على العلم والتغرب في سبيله، وتجلّى في الناحية الدينية بتشييد المساجد في القرى والانفاق عليها من مال الأمة الخالص، وتجلّى في الناحية النفسية بالتفكير الجدّي المستقيم. ومن مظاهره الاعتماد على النفس في الأعمال التي ذكرنا والإيمان بجود شيء اسمه الأمة، بعد أن كانت هذه الأمة تعتمد في دنياها على الحكومة، وفي آخرتها على "المرابطين" (٥) وشيوخ الطرق وتشعر أنها ذائبة في هاتين القوتين. ومن الحق أن نقول إن شعور الأمة الجزائرية وإن ظهرت آثاره في جهات حياتها المختلفة ولكنه يبدأ فوّارًا حارًّا بصفة خصوصية في جهتي الدين واللسان العربي، وهما الجهتان اللتان عرفت الأمة الجزائرية بالتمسك بهما والغيرة عليهما. ومن الحق أيضًا أن نقول إن أكثر الفضل في تنبيه ذلك الشعور في الأمة يرجع إلى ما كان يبثه رجال الإصلاح الديني فرادى بين الأمة، فلم يمض إلّا قليل من الزمن حتى غمر الأمة شعور عام بلزوم إصلاح عام يشمل الدين والعلم والاجتماع، ورأت نهج الإصلاح في هذه المقومات الثلاثة واضحًا. فكانت دواعيه أسبق وأسبابه أوثق، وأصبحت فكرة تأسيس جمعية من علماء الأمة لتشرف على هذا الإصلاح، وتتولى تخطيط مناهجه عقيدة راسخة مستولية على عقول العوام والخواص، وأصبحت بواعث تأسيسها صادرة من الأمة لا من العلماء وحدهم، فانقاد الجميع أمة وعلماء إلى تأسيس هذا المشروع العظيم بما يشبه الاضطرار، وتَمَّ ذلك بكل سهولة وبدون كلفة.