زارني الأخ الأستاذ عبد الحميد بن باديس- وأنا بمدينة سطيف أقوم بعمل علمي- زيارة مستعجلة في سنة أربع وعشرين ميلادية فيما أذكر. وأخبرني بموجب الزيارة في أول جلسة، وهو أنه عقد العزم على تأسيس جمعية باسم (الإِخاء العلمي) يكون مركزها العام
[ ١ / ١٨٤ ]
بمدينة قسنطينة العاصمة العلمية. وتكون خاصة بعمالتها، تجمع شمل العلماء والطلبة وتوحد جهودهم، وتقارب بين مناحيهم في التعليم والتفكير وتكون صلة تعارف بينهم، ومزيلة لأسباب التناكر والجفاء، وذهب يقص عليَّ من فوائدها ما لم أنكره ذوقًا وإحساسًا وإن كنت استبعدته عملًا وواقعًا لاعتبارات ذهبت بذهاب وقتها، ولم أكاشف الأخ الأستاذ بها خشية أن أثبطه- وما التثبيط من شيمي- ولم يزل كلامه يقنعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أخي، وتنازعنا الحديث في منافع هذه الجمعية، فتكشفت لنا عن فوائد لا تحصى، وأذكر أني عددت من فوائدها إيقاف الطلبة عند حدودهم ودرجات تحصيلهم حتى لا يَغُرّوا ولا يغتروا إلخ.
وفي تلك الجلسة عهد إلي الأخ الأستاذ أن أضع قانونها الأساسي فوضعته في ليلة وقرأته عليه في صباحها، فاغتبط به أيما اغتباط وودعني راجعًا إلى قسنطينة بعد أن اتفقنا بديًّا على أعضاء الإدارة وأن يكونوا كلهم من مدينة قسنطينة، وعلى تذليل عقبات يتوقف على تذليلها نجاح المشروع وعلى ترجمة القانون الأساسي وتقديمه للحكومة ثم دعوة العلماء إلى الاجتماع.
ولما وصل إلى قسنطينة وعرض الفكرة على الجماعة الذين يجب تكوين المجلس منهم أيدوا الفكرة وقرروا القانون بعد تعديل قليل، ثم حدثت حوادث عطلت المشروع، وأخبرني الأستاذ باديس بذلك فلم أستغرب لعلمي أن استعدادنا لمثل هذه الأعمال لم ينضج بعد، وأن عملًا عظيمًا كهذا لا يثبت على الفكرة الطائرة والخطرة العارضة، ولا يتم في الخارج إلّا بعد استقراره في الأذهان، ولا بد له من زمن واسع حتى يختمر وتأنس إليه نفوس ألفت التفرق حتى نكرت الاجتماع. فسكتنا وتركنا الزمان يفعل فعله، فماذا كان؟