وحسب التاريخ في نقض هذه الشعوذة أن يشهد بأنه سبق لهذا الدين في بعض فصوله أن كان سبب تقدّم وعمران لم يشهد نظيرهما، والسبب الواحد لا تنشأ عنه مسببات متناقضة، فالإسلام الذي كان سببًا في الصلاح لا يكون سببًا في الفساد، والإسلام الذي من مقاصده إسعاد البشر لا يكون أبناؤه أشقى الناس به، والإسلام الذي حرّر العقل من قيوده ليفكر ويدبّر، لا يكون سببًا في تقييده والحجر عليه، والإسلام الذي شرع المساواة في حقوق الحياة لا تنشأ عنه الأنانية والأثرة والتمايز ولا والله حلفة بارة، ما جنى المسلمون جناية المتعمّد الذي يقارف الجريمة وهو يعلم أنها جريمة، ولكنهم أتوا- في جميع أزمانهم- من قبل أمراء مستبدّين ورؤساء جاهلين، ومن ورائهم طائفة من علماء السوء تتبع مساقط الدرهم والدينار، وتتفيأ ظلال الجاه الكاذب والسمعة الزائفة، فكانت هذه الطوائف الثلاث- في كل زمان- إلبًا على الأمة تتقارض- المصالح على حساب الأمة، وليتهم ما رزأوها في أخلاقها، وأفسدوا فطرتها وزعزعوا يقينها بالله وابتلوها بأهوائها ووساوسهم، وفرقوا منها ما جمعه الدين، وأدخلوا عليها مع الزمن دخيلًا من التقاليد ودخلًا من الطباع جعلاها تعرف ما أنكر دينها، وتنكر ما عرفه.