الحمد لله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. من يضلل الله فلا هادي له ومن يهدِ فما له من مضل. فنسأله الهداية لإحياء السنن والوقاية من شرور البدع. ونشكره على أن وفق لإحياء هذه الشعيرة بهذا البلد وأعان على إتمام شروطها وتكميل أسبابها ونستزيده من فضله حتى تقام شعائره، وتنفذ حدوده وأوامره. فلولا توفيقه ما تمّ عمل. ولولا إعانته ما ظفر راغب بأمل. ونشهد أن لا إله إلا الله المتعالي عن هواجس الظنون، المنفرد بالإنشاء، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون ونشهد أن سيّدنا محمدًا عبده ورسوله فاكّ العقول من أسر اعتقالها. ومحرر الحقائق من شوائب الأوهام وأكبالها.
صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا.
أيّها الناس، إن يومكم هذا من الأيام المشهودة، وسمه دينكم بسمة هي الغرة اللائحة في جبين الأيام، وهي هذه الشعيرة التي تقيمون أركانها، وتجتمعون لأجلها.
فاحمدوا الله تعالى على الهداية، واسألوه أن تكون كل ساعة تأتي بعد ساعتكم هذه خيرًا مما قبلها. وأن يكون اجتماعكم هذا فاتحة اجتماعات في الخير تنقضي مع العمر، تتآمرون فيها بالمعروف وتتناهون عن المنكر، وتتواصون بالحق وتتواصون بالصبر.
عباد الله لو كانت كلمة الحكمة توازن بالذهب، أو تقدّر بالمال والنشب، لكانت كلمة علي بن أبي طالب هي تلك الكلمة. وفوقها قدرًا وقيمة تلك الحكمة التي ثقفتها الفكرة العالية. ومحضتها الخبرة الراقية. وهي قوله- رضي الله تعالى عنه-: "قِيمَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ مَا يُحْسِنُهُ".
_________________
(١) * مجلة الشهاب، (ج ١، م ٦)، رمضان ١٣٤٨هـ / فيفري ١٩٣٠م. ألقيتْ هذه الخطبة في جامع قرية "رأس الوادي" في أوّل جمعة أُقيمتْ فيه.
[ ١ / ٦٤ ]
بيّن لنا﵁ - وهو مصدر البيان، وينبوع التبيان، أن الأعمار هي الأعمال، وبالإحسان فيها تتفاوت قيمة الرجال، وأن ذلك لا يرجع إلى وزن بميزان، ولا كيل بقفزان، وإنما هو عقل مفكّر، ولسان متذكّر. ومن لا عمل له، فلا عمر له. ومن لا أثر له في الدين يمتثل به أمر ربّه، ولا أثر له في الدنيا تزدان به صحيفة كسبه. فوجوده عدم، وعُقباه ندم وحياته مسلولة الاعتبار. وإن شارك الأحياء في الصفة والمميزات.
فاحرصوا، رحمكم الله، على أن تكون لحياتكم قيمة. واربأوا عن أن تكون في كفة النحس والهضيمة. واسعوا في الوصول بها إلى القيم الغالية، والحصول منها على الحصص العالية.
وان الأعمال التي تجمل الحياة وتُغليها، وتقف بها في مستوى الإجلال وتحييها لا تعدو نوعين: وظائف العبادات التي هي سور الوحدانية، والعنوان الصادق على الإخلاص في العبودية، وهي أخفّ النوعين محملًا وأقربهما تحصيلًا وعملًا، لأن الله لم يكلفكم من عبادته إلا باليسير، وشغل بها القليل من أوقاتكم وترك لكم الكثير.
والنوع الثاني السعي فيما تقوم به هذه الحياة الدنيا من الأعمال وتتوقف عليه عمارتها، وهذا يرجع إلى الدين بإخلاص النية، وتمحيض القصد للجري على حكمة الله وتأييد سننه الكونية.
جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وكشف عن قلوبنا- لإدراك الحقائق- حجاب الغفلة والسِّنة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.