بعد أن رفض الإبراهيمي رفضا قاطعا كل محاولات فرنسا لإغرائه واحتوائه، أو تثبيط عزيمته، قررت السلطات الاستعمارية نفيه إلى قرية آفلو في الجنوب الغربي من الوطن، في مطلع الحرب العالمية الثانية.
وبعد أسبوع من نفيه تلقى خبر وفاة رفيقه الإمام عبد الحميد بن باديس﵀-، وخبر اجتماع أعضاء الجمعية وانتخابهم له رئيسا رغم الضغوط الفرنسية الرامية إلى انتخاب غيره، فتحمل مسؤولية قيادة الجمعية غيابيا، وتولى إدارتها بالمراسلة طول الأعوام الثلاثة التي قضاها في المنفى، وبعد إطلاق سراحه عام ١٩٤٣، أصبح قائدا للحركة الدينية والعلمية والثقافية في الجزائر، يجوب ربوعها معلما وموجها ومرشدا، يوحد الصفوف ويؤسس المدارس والمساجد والنوادي ويهيئ العقول لساعة الصفر التي كانت تخطط لها نخبة من الحركة السياسية.
_________________
(١) ٦) نشرت إحدى هذه الرسائل في كتاب "دعائم النهضة الوطنية الجزائرية" لمحمد الطاهر فضلاء، [ص: ٤٣].
[ ١ / ١١ ]
وقد زُجَّ به في السجن بعد أحداث مايو ١٩٤٥، وبقي فيه عاما كاملا ذاق الأمرين في زنزانة تحت الأرض حيث الظلمة والرطوبة، مما استدعى نقله إلى المستشفى العسكري بقسنطينة، فتحمل هذه المحنة بصبر المجاهد، ويقين المؤمن.
وفي سنة ١٩٤٦ استأنف نشاطه، فبعث جريدة " البصائر" من جديد في السنة الموالية بعد أن توقفت أثناء الحرب، وأشرف على تحريرها، كما أسس معهدا ثانويا أطلق عليه اسم رفيقه وصديقه المرحوم عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة، حظيت شهادته بالاعتراف من الجامعة الزيتونية ومن معاهد الشرق العربي، ومن هذا المعهد تخرج رجال قادوا الثورة المسلحة، فمنهم من استشهد في الجهاد الأصغر، ومنهم من ساهم غداة الاستقلال في إعادة بناء هذا الوطن، كقياديين أو إطارات سامية في الدولة، فكان منهم الوزير والسفير، والوالي والمحافظ والقائد العسكري والأستاذ ومدير الجامعة الخ
ويحتوي الجزءان الثاني والثالث من آثار الإبراهيمي على ما أنتجه خلال هذه الفترة التي هي أخصب مراحل حياته، ابتداء بما أوحت به قرية آفلو، التي لم نعثر- مع الأسف- إلا على القليل من المقامات والروايات والرسائل التي كتبت فيها، إلى ما كتبه أسبوعيا في جريدة "البصائر".
أما مقالاته الافتتاحية فقد قام هو نفسه بجمعها لتطبع في كتاب سماه "عيون البصائر"، وهو يشكل الجزء الثالث من هذه الطبعة الجديدة.