أما الناحية العلمية، فهي حافلة بحق بالتأليف وتحقيق الكتب والتدريس.
أما جانب التأليف: فقد بيَّض فيها عددًا من كتبه الكبار التي ألفها في الهند كـ"التنكيل"، و"العبادة"، وألَّف عددًا من الكتب والرسائل الحديثية والفقهية منها: رسالة تأخير المقام، ورسالة توسعة المسعى، وقيام الليل، وصيام الست من شوال، والتأويل، والأنوار الكاشفة.
وفي جانب التحقيق: أصدر ستة مجلدات من كتاب "الأنساب" للسمعاني إلى حرف الزاي، وستة مجلدات من "الإكمال" لابن ماكولا إلى حرف العين، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني، و"الموضح لأوهام الجمع والتفريق"، و"بيان خطأ محمد بن إسماعيل"، و"تذكرة الحفاظ" وغيرها، بما مجموعه واحد وعشرون مجلدًا (^١).
هذا سوى الكتب التي أشرف على نسخها أو تصحيحها أو فهرستها أو
_________________
(١) انظر مبحث تحقيقات الشيخ، فما كانت طباعته مؤرَّخة بعد ١٣٧١ فهو مما عمل عليه في مكة المكرمة.
[ ١ / ٨٩ ]
النظر فيها (^١).
أما جانب التدريس: فقد كان للشيخ درس بعد صلاة الفجر في حَصوة باب السلام يحضره عدد من الطلبة (^٢)، وكانت له دروس بعد العصر يحضرها خاصته من طلبة العلم، يدرّس فيها النحو والبلاغة والفقه والفرائض (^٣).
إضافةً إلى القيام بوظيفته في مكتبة الحرم المكيّ الشريف من إعانة الباحثين عن العلم والمعرفة، وفهرسة المكتبة، والكتابة إلى الجهات المختلفة لتزويدها بمختلف الكتب، حتى إنه كاتب مجموعة من المجلات بمصر لترسل أعدادها إلى مكتبة الحرم كمجلة (الأزهر) ومجلة (الناشر المصري) وكاتَبَ الشيخ أحمد شاكر بنحو ذلك.
اتخذ الشيخ من غرفته بمكتبة الحرم المكي الشريف سكنًا، وكان ابنه الوحيد يسكن ويعمل في جدة، فلم يكن للشيخ شاغل يشغله عن العلم والتحقيق والتأليف، بل كل وقته كان للعلم، كتب لي تلميذه محمد بن عبد الرحمن المعلمي: "كان ﵀ لا يحب المظاهر، ويبقى دائمًا في المطالعة والتأليف، ولا يخرج من المكتبة إلا لصلاة الفرائض ويعود إلى المكتبة ".
فلذلك أنتج لنا هذا الانتاج العظيم تأليفًا وتحقيقًا بما لم يجتمع في
_________________
(١) انظر "الرسائل المتبادلة" مع الشيخ محمد نصيف (ص ٢٩٥ - ٣٠٧).
(٢) "باب السلام في المسجد الحرام" (ص ١٦٠).
(٣) كما أخبر بذلك جماعة من طلابه ممن كتبوا إليَّ وسبقت الإشارة إلى كلامهم.
[ ١ / ٩٠ ]
عالم من علماء هذا العصر.
كان خاصّة الشيخ الذين يأنس بهم ويكثر الاجتماع بهم قِلّة يعدون على الأصابع، من أبرزهم الشيخ محمد حسين نصيف (ت ١٣٩٢) وكان بينهما حبّ أكيد وتواصل مستمر، وكان الشيخ المعلمي يجلّه غاية الإجلال فهو يدأب في مكاتباته له بنعته بعدّة نعوت لا يفارقها "حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف".
ومنهم الشيخ سليمان الصنيع (ت ١٣٨٩) مدير مكتبة الحرم المكي الشريف وعضو مجلس الشورى، كان الشيخ كثير الذكر له في مقدمات كتبه ويصفه بـ "الصديق العزيز الناقد البحّاثة" وقال: "وهو مَن أولى العناية البالغة بكتب الرجال وتحقيق الأسانيد" (^١).
وكان للشيخ الصنيع عادة بجمع بعض الفضلاء والعلماء يوم الجمعة للغداء، ومنهم الشيخ المعلمي، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ صالح بن عثيمين، والشيخ الحرْكان (^٢).
وبقي الشيخ ﵀ ممتّعًا بعزيمة قوية وجَلَدٍ على البحث والتنقيب والتحقيق مع كِبر سنه وضعف قوّته، وشاهد ذلك أن الأجزاء الأخيرة من تحقيقه للأنساب والإكمال إنما طبعت بعد وفاته بأشهر، مما يعني أن الانتهاء منها كان قبل وفاته بأشهر قليلة، ولعل في تلك التعليقة الطويلة الشهيرة في "الإكمال": (٦/ ٣٢٢ - ٣٣١) لابن ماكولا ما يكشف عن هذا
_________________
(١) انظر "المقدمات" (ص ٨، ١٠، ١٩٥، ٢٠١، ٢٥٣، ٢٥٧).
(٢) ذكره لي تلميذاه عبد الكريم الخراشي، ومحمد بن عبد الرحمن المعلمي.
[ ١ / ٩١ ]
الجَلَد العجيب والصبر على البحث والتفتيش والتحقيق، وقد سقناها برمّتها في "المقدمات" (ص ٣١٨ - ٣٣١) فلتراجع، وكان وقت كتابتها في أواخر سنة ١٣٨٥ أي قبل وفاته بأربعة أو خمسة أشهر.
[ ١ / ٩٢ ]